هل سيصلح الوزير قيوح ما أفسده سلفه بخصوص قطاع النقل العمومي للمسافرين؟

المستقل | فؤاد السعدي
بدأ برنامج إصلاح حظيرة حافلات النقل العمومي للمسافرين كخطوة طموحة ومبشّرة أطلقها الوزير السابق للنقل واللوجيستيك محمد عبد الجليل، بهدف تحديث القطاع والارتقاء بجودة خدماته، لكن ما بدا في البداية مشروعًا واعدًا سرعان ما تحول إلى أزمة عميقة، بعد أن تحول المشروع، الذي أُطلق بشراكة مع الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، إلى أزمة حقيقية وكشف عن عيوب جوهرية عرقلت تنفيذه وجعلته يواجه مصيرًا غامضًا منذ اللحظة الأولى.
فعندما تم الإعلان عن برنامج إصلاح حظيرة حافلات النقل العمومي للمسافرين، كانت الآمال كبيرة في أن يكون بداية تحول حقيقي للقطاع، غير أنه سرعان ما تبين أن المشروع الذي كان يعتقد الجميع أنه سيغير وجه النقل الطرقي للمسافرين بالمغرب، يعاني من عائق كبير لم يُؤخذ في الحسبان ألا وهو غياب “باقة السلامة”، التي تعتبر شرطًا أساسيًا لتحديث الحافلات وضمان سلامة الركاب. المفاجأة أن هذه التجهيزات الضرورية لم تكن متوفرة في السوق المغربية، وهو ما أثار تساؤلات صادمة؛ إذ كيف تم عرض برنامج بهذه الطموحات دون التأكد من توفر الشروط الأساسية اللازمة لإنجازه؟ وهل كان الوزير السابق محمد عبد الجليل ومدير الوكالة الطرقية ناصر بولعجول على دراية بهذا النقص أثناء صياغة المشروع؟ هذه الأسئلة تضعنا أمام حقيقة مرة وصادمة، وهي أن البرنامج للأسف انطلق بدون أن تكون الأسس التي يعتمد عليها موجودة، مما يثير الكثير من الحيرة حول قدرة المشروع على تحقيق أهدافه.
ومع ذلك، يجد المهنيون أنفسهم اليوم في وضع معقد، حيث تم دفعهم نحو استبدال حافلاتهم القديمة بحافلات جديدة لا يتجاوز عمرها 7 سنوات، دون أن تكون لديهم الإمكانيات أو الحلول العملية اللازمة لتحقيق ذلك. بل الأدهى من كل هذا، أنه رغم وجود المادة السابعة في الاتفاقية التي تمنح الوزارة صلاحية تعديل بنود البرنامج لمواجهة هذه التحديات، لم يُستفد منها للخروج من هذا المأزق. فهل كان من الممكن تجنب هذا الوضع لو تم تفعيل هذه المادة في الوقت المناسب؟ وهل كان من الممكن أيضا أن يُحسن الوزير السابق التعامل مع هذه الفجوة في البرنامج، بدلاً من أن يترك المهنيين يواجهون العواقب وحدهم؟
حتى الآن، تبين أن البرنامج الذي كان يُفترض أن يحدث تغييرات جذرية في قطاع النقل العمومي للمسافرين لم يحقق سوى هدف واحد محدود، وهو السماح باستخدام حافلات من صنف “B” في الرخص المخصصة لحافلات من صنف “A”، غير أن هذا الإنجاز البسيط و”اليتيم” لا يعكس الطموحات الكبيرة التي كانت تحيط بالبرنامج. أما بخصوص باقي الأهداف، مثل تحديث أسطول الحافلات وتحسين الخدمات في المحطات الطرقية، فلم يتم للأسف ترجمتها إلى أي خطوات فعلية، وهو ما يجعل سنة 2024 تُعد بمثابة سنة بيضاء للقطاع. وفي الوقت الذي كان من المنتظر أن يشهد الجدول الزمني الذي يمتد حتى 2026 تقدمًا ملحوظًا، فإن الواقع كان بعيدًا عن ذلك، ليبقى القطاع في حالة من الجمود والتراجع.
وفي ظل هذا الفشل، يبرز تساؤل أساسي، لماذا لم يتم اللجوء إلى المادة السابعة من الاتفاقية التي تخول للوزير تعديل بنود البرنامج؟ هذه المادة تمنح للوزارة آلية مرنة للتعامل مع مثل هذه الإشكالات عبر إعادة النظر في شروط التنفيذ بما يراعي الواقع العملي ومتطلبات السوق، لأن تجاهل هذه المادة قد يكون سببًا رئيسيًا في استمرار الأزمة، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على الوزير الجديد عبد الصمد قيوح.
اليوم، يقف قيوح أمام مفترق طرق حاسم، فهو ليس مجرد وزير جديد، بل هو الرجل الذي قد يكون مفتاحًا لإعادة بناء الثقة بين الوزارة والمهنيين الذين أصبحوا يشعرون بأنهم ضحية برنامج فشل قبل أن يبدأ، ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل سيلجأ قيوح إلى المادة السابعة من الاتفاقية لتعديل بنود البرنامج وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وهل سيتخذ القرارات الحاسمة التي تضمن توفير “باقة السلامة” المفقودة، ويعيد هيكلة البرنامج ليتماشى مع الواقع ويحقق الأهداف التي طال انتظارها؟ وإلى حين أن يقوم الوزير بأي ردة فعل، يبقى القلق قائمًا حول ما إذا كان القطاع سيظل في حلقة مفرغة من الوعود الفارغة أم أن قيوح سيقود التغيير المنتظر.
القطاع اليوم في حاجة ماسة إلى رؤية جديدة وشجاعة سياسية لمعالجة هذا الفشل، وهو ما يضع الوزير الجديد عبد الصمد قيوح أمام تحدٍّ كبير وفرصة ذهبية لإثبات قدرته وجديته في التعامل مع هذه القضية الشائكة. وبالتالي فنجاحه لن يتوقف فقط على تصحيح أخطاء الاتفاق السابق، بل يتطلب أيضًا اتخاذ قرارات حاسمة وشفافة من شأنها أن تعيد للبرنامج مكانته كأداة حقيقية لتطوير النقل العمومي للمسافرين بالمغرب، كما أن التحدي الأكبر يكمن في وضع خطة استراتيجية شاملة تعيد الاعتبار لهذا القطاع وتحقق الأهداف التي طالما انتظرها المهنيون. مع كل هذا يبقى السؤال الأهم؛ هل سيكون الوزير قادرًا على تحقيق التغيير الملموس؟ أما الإجابة فتتوقف على إرادته السياسية وقدرته على اتخاذ الخطوات الضرورية لاستعادة الثقة وضمان مستقبل مستدام للنقل العمومي للمسافرين ببلادنا.