صفقات وزارة الثقافة تحت “شبهة” الاحتكار.. أين مؤسسات الرقابة ولماذا تغيب لجان تقصي الحقائق عن “علبة بنسعيد السوداء”؟

يطرح استمرار شركة واحدة في الاستحواذ شبه الكامل على كبريات الصفقات العمومية التابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل علامات استفهام حارقة تتجاوز حدود تدبير القطاع لتصل إلى مساءلة صريحة لفعالية مؤسسات الرقابة الدستورية في المملكة، ففي الوقت الذي تضج فيه الأوساط الإعلامية بتقارير مفصلة تتحدث عن تمركز مقلق للصفقات في يد فاعل وحيد يظل الصمت المريب سيد الموقف داخل ردهات المؤسسة التشريعية ومجالس الحكامة، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام التساؤل حول أسباب شلل آليات الرقابة البرلمانية وغياب لجان تقصي الحقائق التي يمنحها الدستور صلاحيات واسعة للنبش في تدبير المال العام، حيث كان من المفترض أن يدفع تكرار فوز شركة “Avant Scène” بطلبات عروض ذات كلفة مالية ضخمة مثل المعرض الدولي للنشر والكتاب وتظاهرات كبرى أخرى الفرق النيابية إلى التحرك العاجل لفتح العلبة السوداء لصفقات الوزير المهدي بنسعيد والوقوف على مدى احترام مبادئ المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، إلا أن هذا التقاعس الملحوظ يغذي الاعتقاد بأن الحسابات السياسية الضيقة داخل التحالف الحكومي قد فرملت آليات المحاسبة وعطلت الدور الرقابي للبرلمان تجاه قطاع حيوي يتم تدبيره بمنطق يثير الكثير من الريبة.
وتضع هذه الضبابية في التدبير أيضا مؤسسات الحكامة كفيلة بحماية الاقتصاد الوطني أمام مسؤولياتها التاريخية، حيث يتساءل مهتمون بالشأن الثقافي عن دور مجلس المنافسة في رصد ومنع مظاهر الهيمنة المقاولاتية داخل سوق الصفقات الثقافية، وعن غياب المجلس الأعلى للحسابات عن افتحاص مساطر التفويض التي حولت شركة واحدة إلى مخاطب وحيد لوزارة الثقافة في مشاريع استراتيجية، مع ما يرافقه ذلك من شبهات حول استغلال ثغرات نظام التأهيل والتصنيف في قانون الصفقات العمومية لصياغة دفاتر تحملات بمعايير تقنية وتعجيزية تبدو وكأنها صممت على المقاس لإقصاء المقاولات المتوسطة والصغرى، وحصر المنافسة في فاعل واحد يمتلك أرقام معاملات لا تتوفر لغيره، مما يضرب في الصميم مبدأ تكافؤ الفرص ويحول دون بزوغ فاعلين جدد في الساحة الثقافية.
والأدهى من ذلك، أن الريبة تمتد لتشمل الإفراط في اللجوء إلى المساطر التفاوضية والصفقات الاستعجالية خارج إطار المنافسة المفتوحة، تحت ذريعة ضيق الوقت قبل انطلاق المهرجانات والتظاهرات السنوية، وهو ثقب أسود تدبيري يتم استخدامه لتبرير منح مشاريع بمليارات السنتيمات لجهات بعينها دون سلوك مساطر الإشهار والمنافسة الحقيقية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول شبهة تضارب المصالح السياسي وتداخل عالم المال بالانتماء الحزبي، خاصة حينما ترتبط الشركات المستفيدة بفرقاء يدورون في فلك الدائرة الضيقة لصناع القرار داخل الوزارة، وهو ما يستوجب تدخلا عاجلا من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، إذ إن الصمت تجاه هذه الاختلالات ليس مجرد تقصير إداري، بل هو وقود لتعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، في ظل وضع يستدعي تحركا رقابيا حازما يقطع مع منطق الاستثناء التدبيري ويعيد للمال العام هيبته وللمنافسة عدالتها المسلوبة داخل أسوار وزارة الثقافة.