الاتحاد الدستوري بمكناس.. حين تُفْضَحُ الاستقالات المُغرضة وتَتَكشَّفُ خفايا الانضباط المفقود

المستقل | فؤاد السعدي

لا شك أن حزب الاتحاد الدستوري، يعيش دينامية سياسية وتنظيمية تهدف إلى تصحيح المسار وتقوية الحزب على المستوى الوطني، لكن هذه الجهود، التي تتطلب التزامًا جماعيًا، تقابل أحيانًا بمحاولات بائسة لتسويق مواقف فردية على أنها دفاع عن المصلحة العامة.

ففي خطوة أثارت استغراب المتابعين للشأن السياسي بمدينة مكناس، أقدم أحد أعضاء حزب الاتحاد الدستوري على تقديم استقالة من الحزب ومن جميع هياكله التنظيمية، معتبراً ذلك رد فعل على ما وصفه بسوء تدبير الحزب محليًا ووطنياً. غير أن قراءة متأنية في حيثيات هذه الاستقالة وتوقيتها تكشف حقائق مغايرة تماماً لما يحاول هذا العضو ترويجه.

الاستقالة، التي قدّمها صاحبها بعد سنوات طويلة من الصمت، جاءت في ظرفية سياسية دقيقة، حيث باشر حزب الاتحاد الدستوري بمكناس إجراءات التجريد في حقه بسبب عدم التزامه بتعليمات الحزب خلال انتخابات رئاسة جماعة مكناس، فبدلاً من الاصطفاف إلى جانب مرشح الحزب عباس الومغاري، اختار العضو المنشق دعم مرشحة حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يتنافى مع قواعد الانضباط الحزبي ومعايير الأخلاق السياسية.

الغريب في الأمر أن هذا العضو كان من بين المستفيدين من انتمائه للحزب خلال سنوات مضت، حيث شغل منصب نائب رئيس جماعة مكناس المفوض له في قطاع التعمير. وخلال هذه الفترة، لم يكن له أي اعتراض علني أو موقف ناقد تجاه الحزب أو قيادته، بل كان يلتزم الصمت طالما أن مصالحه الشخصية كانت مضمونة. فكيف له اليوم أن يدّعي الغيرة على الحزب والمدينة وهو الذي ساهم بشكل مباشر في الزج بالحزب في تحالفات مشبوهة ومبادرات تفاوضية فردية؟

لقد كشفت هذه الاستقالة بجلاء أن الدوافع التي دفعت صاحبها لتقديمها ليست تنظيمية كما يحاول الإيحاء، بل ترتبط بخيبة أمله بعد أن أصبح واضحاً أن طموحه في الحصول على منصب بالمجلس الأعلى للتعليم قد تبخر. فمن كان بالأمس يصمت في حضرة المصلحة، بات اليوم يرفع شعارات النقد والتمرد بعدما أصبحت مصالحه على المحك.

أما انتقاداته التي طالت الأمين العام للحزب محمد جودار، فهي محاولة يائسة للبحث عن مبررات تضفي مصداقية زائفة على استقالته، فالأمين العام، الذي انتُخب في أجواء ديمقراطية خلال المؤتمر الوطني السادس للحزب، يواصل العمل على تعزيز مكانة الحزب وتقويته، في الوقت الذي اختار فيه العضو المستقيل أن يشوه صورة الحزب لأسباب شخصية بحتة.

كما أن حديثه عن “فوضى تنظيمية” في المؤتمر الوطني أو انتقاداته لما وصفه بـ”عبثية” مؤتمر الشبيبة الدستورية بمكناس، لا يعدو كونه محاولة لتضليل الرأي العام، فالمؤتمر، الذي انتقده، شهد حضور العضو الذي ادعى عدم وجوده، وكان هذا الحضور موثقاً بوثائق رسمية، قبل أن يخضع لضغوط حزبية من جهات أخرى ويتراجع عن موقفه.

ما يزيد من مفارقات هذه الاستقالة أنها جاءت متأخرة إلى حد كبير، إذ لو كان صاحبها صادقاً في ادعاءاته، لكان قد عبّر عنها عندما كان الحزب يواجه تحديات كبرى أو عندما كان هو نفسه يشغل منصباً داخل الأغلبية، لكن الحقيقة هي أنه لم يتحرك إلا عندما شعر بأن أيامه داخل الحزب أصبحت معدودة، وهو ما يبرز تناقضاً صارخاً بين شعاراته وواقعه.

وتبقى هذه الاستقالة مجرد محاولة بائسة لتلميع صورة باهتة، خاصة وأنها جاءت على خلفية مسطرة قانونية كان الحزب قد باشرها ضده، وهي محاولة فاشلة لتبرير إخفاقات شخصية عبر الهجوم على حزب قدّم له الكثير في الماضي، ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن العمل السياسي يتطلب التزاماً حقيقياً بعيداً عن الحسابات الشخصية الضيقة، وأن الأخلاق السياسية تبدأ من احترام الالتزامات التنظيمية قبل أي شيء آخر.

فالرأي العام المكناسي، الذي يتابع عن كثب تطورات المشهد السياسي المحلي، من حقه أن يعرف حقيقة ما يجري داخل حزب الاتحاد الدستوري بمكناس، بعيداً عن المغالطات والادعاءات المضللة التي يحاول البعض ترويجها. وما أوردناه هنا ليس إلا غيضاً من فيض، وإذا ما اضطررنا لكشف مزيد من الحقائق والتفاصيل التي توضح الصورة كاملة، فلن نتوانى عن ذلك انطلاقاً من واجبنا المهني وغيرتنا الصادقة على مصلحة مدينة مكناس ومستقبلها السياسي. فالتلاعب بمبادئ العمل الحزبي وتشويه الحقائق لن يمر دون كشف، ولن نخشى إعلاء صوت الحقيقة خدمة للمصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *