“المرتزقة الرقميون”.. أدوات الفساد والابتزاز بمدينة مكناس

المستقل | فؤاد السعدي
تعيش مدينة مكناس اليوم مرحلة صعبة للغاية، حيث يُختبر فيها وعي الساكنة وسط واقع سياسي ومحلي مشوه ومتردي، تحول إلى ساحة لتداخل المصالح المشبوهة، فبعدما لفظهم وعي المواطنين في الانتخابات الأخيرة، نجد مجموعة من السياسيين الوصوليين والفاشلين يواصلون سعيهم في محاولة بئيسة للعودة إلى المشهد، بينما تستغل “مرتزقة الفيسبوك” منصات التواصل الاجتماعي للابتزاز والتشهير الممنهج، وهو ما يصبح معه السكوت عن هذه الممارسات أكثر من مجرد صمت؛ بل تواطؤ مباشر مع الفساد، على اعتبار أن الساكت في هذه الحالة إما يخشى أن تُكشف فضائحه على يد هذه الكائنات، أو أنه يسعى إلى محاباتها لتجنب فضح ممارساته من قِبلها. هذا التحالف بين هؤلاء السياسيين الفاشلين وهاته “الكائنات الفيسبوكية” يشبه تمامًا اتفاق اللصوص مع الطفيليات، حيث يتغذى كل طرف على فساد الآخر في عملية تبادل مشبوهة تخدم مصالحهم الضيقة على حساب المصلحة العامة، وأن أي مشاركة فعلية في هذه اللعبة القذرة، هو بمثابة تواطئ مع الفساد الذي ينخر المجتمع.
هذه الكائنات، التي لا تمتلك من أدوات التأثير سوى القدرة على استغلال الشائعات والفبركات، أصبحت تمارس نوعًا من الوصاية على المشهد السياسي والإداري، بعدما وجدت في بعض المسؤولين الفاسدين أو السياسيين الفاشلين بيئة خصبة للابتزاز. فعبر بأساليب خبيثة وبئيسة، تحترف هذه الفئة لعبة التهديد بالتشهير عبر منشورات مسمومة وموجهة وركيكة تعبر على أمية أصحابها، تدعي من خلالها أنها تدافع عن المصلحة العامة، في حين أن هدفها الحقيقي هو تحقيق مكاسب شخصية، سواء كانت إتاوات أو امتيازات مالية أو “زرورة” أو حتى ولوجًا إلى دوائر القرار.
الغريب في الأمر أن هذه الكائنات لا تتوانى عن استهداف موظفين ومسؤولين شرفاء، لكنها تتراجع أمام الفاسدين الذين يفضلون شراء صمتها بدل مواجهتها، وهنا تكمن خطورة هذه الظاهرة التي تُفاقم من الفساد بدلاً من مكافحته، وتجعل من هذه الكائنات مجرد أدوات في يد بعض المسؤولين المتورطين، والذين يسعون لحماية أنفسهم عبر رشوة هؤلاء المرتزقة الرقميين.
الأدهى أن بعض السياسيين الفاشلين، الذين دنسوا الممارسة السياسية بممارساتهم المخزية، لجأوا مؤخرًا إلى هذه الكائنات بحثًا عن الانتقام ممن أسقطوهم في الانتخابات. هؤلاء الذين كانوا بالأمس يشتمون هذه الكائنات وينعتونها بأقبح الأوصاف، ها هم اليوم يتسابقون لنيل رضاها، غير مدركين أن علاقتهم بها لن تزيد صورتهم إلا قبحًا أمام الرأي العام المحلي. هذه العلاقة المشبوهة بين الطرفين تعكس الانحدار الأخلاقي الذي يعيشه المشهد السياسي بمكناس، حيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي أداة للابتزاز والتصفية الحسابية، بدلاً من أن تكون منصة للنقاش الحر والمسؤول.
لقد حوّل هؤلاء الكائنات الفيسبوكية مفهوم النضال الرقمي إلى مسرحية هزلية، حيث يدّعون الدفاع عن حقوق المواطنين بينما يلهثون وراء المكاسب الشخصية، من خلال بيع ولاءهم لكل من يدفع أكثر، غير مكترثين بتأثير منشوراتهم الكاذبة على المجتمع. والأخطر من ذلك، أنهم أصبحوا نموذجًا سيئًا، يشجعهم على احتراف الكذب والابتزاز تحت غطاء حرية التعبير.
إن ما يحدث اليوم بمدينة مكناس ليس مجرد انحراف بسيط، بل ظاهرة خطيرة تستدعي وقوف جميع الشرفاء ضدها، من خلال فضح هذه “المرتزقة الرقمية” التي تمثل تلك العاهرة التي تترافع على الشرف، وإبراز حقيقتها أمام الرأي العام، لتجريدها من وهم التأثير الذي تحاول تسويقه زورا وبهتانا. كما أن السلطات، التي تبدو على علم تام بهذه الممارسات، يجب أن تتحرك بحزم لوضع حد لهذا العبث، ومحاسبة كل من تسول له نفسه استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لتصفية الحسابات أو الإضرار بمصالح المدينة وساكنتها.
مكناس اليوم تستحق إعلامًا نزيهًا وشبابًا واعيًا وسياسيين شرفاء، لا كائنات فيسبوكية تتغذى على الابتزاز ولا سياسيين فاشلين يركضون خلفها. اليوم، يجب أن يعي الجميع أن معركة المدينة الحقيقية ليست فقط ضد الفساد، بل أيضًا ضد كل من يحاول تلويث سمعتها وتشويه نضال أبنائها.