من طنجة إلى الناظور.. هل حان وقت مراجعة حكامة الموانئ المغربية وتجديد قيادة طنجة المتوسط؟

بقلم | فؤاد السعدي

بالتزامن مع إعطاء ولي العهد الأمير مولاي الحسن انطلاقة عمليات أول محطة للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط، يفرض الحدث سؤالا استراتيجيا يتجاوز الاحتفاء بالمشروع الجديد إلى استخلاص الدروس من تجربة طنجة المتوسط، تفاديا لانتقال اختلالات التدبير والحكامة إلى ميناء ينتظر أن يشكل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني.

قد يتساءل البعض عن دوافع إعادة فتح ملف تدبير ميناء طنجة المتوسط في هذا التوقيت بالذات، وهل يتعلق الأمر بتصفية حسابات مع إدارته أو التقليل من إنجازاته، بالتزامن مع حدث وطني بارز يتمثل في دخول أول محطة للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل.

لكن قراءة الموضوع من هذه الزاوية وحدها تغفل جوهر النقاش. فإطلاق مشروع مينائي استراتيجي جديد يشكل مناسبة طبيعية لإعادة تقييم التجربة التي راكمها المغرب في هذا المجال، والوقوف عند عناصر نجاحها ومواطن قصورها. ومن ثم، فإن فتح ملف طنجة المتوسط اليوم ليس استهدافا لتجربته، بل محاولة لطرح سؤال استباقي وهو، هل سننقل إلى الناظور عناصر النجاح وحدها، أم سنسمح أيضا بتكرار الاختلالات التي ظلت تثير شكاوى المهنيين والمتعاملين الاقتصاديين؟

لا أحد يستطيع إنكار المكانة التي بلغها ميناء طنجة المتوسط، ولا التحول الكبير الذي أحدثه في موقع المغرب ضمن خريطة النقل البحري والتجارة الدولية. فقد أصبح قطبا لوجستيكيا وصناعيا بارزا، واستقطب استثمارات كبرى، وعزز تنافسية الاقتصاد الوطني. غير أن الاعتراف بهذه المنجزات لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة ضد المساءلة، أو إلى مبرر لإغلاق النقاش حول جودة الحكامة وفعالية التدبير.

فالمؤسسات المينائية الكبرى لا تقاس فقط بعدد الحاويات التي تعالجها أو بموقعها في التصنيفات الدولية، وإنما كذلك بقدرتها على ضمان انسيابية العمليات، واحترام آجال الخدمات، وتبسيط المساطر، وحماية مصالح المتعاملين الاقتصاديين. وهنا تبرز أسئلة المهنيين بشأن الاختناقات اللوجستيكية التي تظهر خلال فترات الضغط، وتأخر عبور بعض الشاحنات، وتعقيد الإجراءات، واستمرار الحاجة إلى وثائق وتدخلات إدارية لا تنسجم دائما مع طموح الرقمنة الشاملة.

هذه الإشكالات ليست تفاصيل تقنية عابرة، لأن انعكاساتها قد تتجاوز حدود الميناء لتطال تنافسية المقاولات المغربية، وآجال تسليم الصادرات، وكلفة النقل والتوزيع. وفي اقتصاد ترتبط قدرته التنافسية بسرعة العبور واحترام الالتزامات التجارية، يصبح ضروريا إخضاع هذه الاختلالات لتقييم مؤسساتي يحدد أسبابها والمسؤوليات المرتبطة بها وسبل معالجتها.

وبطبيعة الحال، لا يمكن تحميل جهة واحدة مسؤولية جميع الصعوبات، بالنظر إلى تعدد المتدخلين في المنظومة المينائية، من السلطة المينائية والجمارك والأجهزة الأمنية إلى الشركات المشغلة والإدارات المعنية. لكن تعدد الاختصاصات لا ينبغي أن يتحول إلى تشتت في المسؤولية، ولا إلى مبرر دائم لتفسير الاختلالات. فالحكامة الجيدة تقتضي تنسيقا فعالا، ووضوحا في الاختصاصات، ومؤشرات دقيقة لقياس الأداء، وربطا للمسؤولية بالنتائج.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الحكامة، بما يشمل آليات القيادة والتوجيه والتقييم. كما يصبح من المشروع طرح سؤال تجديد قيادة طنجة المتوسط، ليس باعتباره حكما مسبقا على أشخاص بعينهم، وإنما باعتباره نقاشا مؤسساتيا حول مدى قدرة الصيغ التدبيرية الحالية على مواكبة التحولات المتسارعة في قطاع النقل البحري واللوجستيك، والاستجابة لانتظارات الفاعلين الاقتصاديين.

فاستمرار أي قيادة في موقعها لا ينبغي أن يكون امتدادا آليا لمرحلة سابقة، مهما كانت حصيلتها، بل يجب أن يخضع لتقييم موضوعي يأخذ بعين الاعتبار حجم المسؤوليات والتحديات الجديدة. والنجاحات التي تحققت في طنجة المتوسط لا ينبغي أن تكون مبررا لتجميد النقاش حول القيادة، بل حافزا على رفع سقف التقييم والمساءلة وتجديد الرؤية كلما اقتضت المصلحة ذلك.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع دخول ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل، باعتباره مشروعا استراتيجيا ينتظر منه تعزيز موقع المغرب في حركة التجارة الدولية، وفتح آفاق اقتصادية واستثمارية جديدة، وتقوية الدينامية التنموية بالجهة الشرقية. فنجاح هذا المشروع لن يتحدد فقط بحجم استثماراته أو طاقته الاستيعابية وتجهيزاته التقنية، وإنما أيضا بجودة النموذج التدبيري الذي سيؤطر عمله منذ البداية.

والمطلوب أن يستفيد الناظور من عناصر القوة التي صنعت نجاح طنجة، وأن يتفادى في الوقت نفسه مواطن القصور التي كشفت عنها التجربة. وهذا يقتضي إرساء حكامة واضحة، وتنسيقا ناجعا بين مختلف المتدخلين، ورقمنة فعلية للمساطر، وآليات للمراقبة والتقييم، فضلا عن إدارة تستجيب بسرعة لمتطلبات المهنيين والمتعاملين الاقتصاديين.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاحتفاء بإطلاق مشروع جديد إلى مناسبة لتأجيل النقاش حول شروط نجاحه الفعلي. فالمشاريع الاستراتيجية لا تحميها الاستثمارات والأرقام وحدها، وإنما تحميها مؤسسات قوية، وتدبير مسؤول، وقيادة تخضع للتقييم والمحاسبة، وقدرة على الاعتراف بالاختلالات ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أعطاب بنيوية.

لذلك، فإن فتح ملف طنجة المتوسط في هذه اللحظة ليس تصفية حسابات مع إدارة أو مسؤول، ولا محاولة لمصادرة إنجاز وطني كبير، بل دعوة إلى التعامل مع التجربة بمنطق التراكم والتصحيح. لا ننتقد طنجة لأننا ننكر ما حققته، وإنما لأننا نريد أن تكون مكتسباتها قاعدة لتطوير تجربة الناظور، لا غطاء يحجب مواطن القصور أو يمنع مساءلة النموذج التدبيري.

ومن طنجة إلى الناظور، الرهان واحد هو أن تكون الموانئ المغربية في مستوى الرؤية الملكية، ليس فقط من حيث حجم الاستثمارات والأرقام القياسية، بل أيضا من حيث جودة الحكامة وفعالية التدبير واحترام مصالح الاقتصاد الوطني. فالمغرب لا يحتاج إلى موانئ كبرى فحسب، بل إلى مؤسسات مينائية تتطور قيادتها وآليات اشتغالها بالقدر نفسه الذي تتطور به بنياتها التحتية.

اليوم انطلاق ميناء الناظور غرب المتوسط ينبغي أن يكون بداية مرحلة جديدة في التفكير في حكامة الموانئ المغربية، قوامها استخلاص الدروس وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد آليات التدبير، حتى لا يتحول نجاح طنجة المتوسط إلى تجربة نكتفي بالاحتفاء بها، بدلا من أن نجعل منها منطلقا لتطوير ما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *