عجز أممي بمجلس الأمن وبلاغ ملكي استباقي.. “ضربة معلم” تحصن سيادة الصحراء المغربية

يعيش مجلس الأمن الدولي على وقع مأزق دبلوماسي خانق وانسداد غير مسبوق، محولا ملف الصحراء المغربية من نزاع إقليمي تقليدي إلى حلبة صراع جيوسياسي مكشوف ومباشر بين القوى الكبرى، وعلى رأسها واشنطن وموسكو. هذا المخاض العسير بلغ ذروته اليوم، متزامنا مع نهاية الولاية القانونية لبعثة “المينورسو”، ومشحونا باستقطاب دولي حاد تكشفت ملامحه عبر سيناريوهات غير تقليدية داخل الكواليس الأممية.
فقد أقدمت الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم، على خطوة جريئة تخلت من خلالها عن الأعراف واللغة الرمادية المعهودة، محاولة فرض أمر واقع سياسي صريح عبر شطب مسمى “الاستفتاء” وإعادة هيكلة مهام بعثة المينورسو بالكامل. هذا التوجه يعكس قناعة أمريكية راسخة بأن استمرار النزاع بصيغه البائدة أصبح عبثا استراتيجيا، وأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تشكل الإطار الواقعي والوحيد القابل للتطبيق، مما دفع واشنطن لتسخير ثقلها لإنهاء الشق العسكري للبعثة وتحويلها إلى آلية لتثبيت السيادة المغربية.
في المقابل، جاء استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) بمثابة صدمة دبلوماسية، مؤكدا أن موسكو لم تكن تستهدف المغرب لذاته، بقدر ما كانت توجه رسالة ردع قاطعة ترفض من خلالها الانفراد الأمريكي بصياغة خارطة طريق أممية تحسم نزاعا إقليميا كبيرا لصالح حلفاء واشنطن.
لقد فضلت موسكو تغليب مصالحها الاستراتيجية وتوازناتها المعهودة مع الجزائر والبوليساريو على حساب الشراكة مع الرباط، متمسكة بـ الشرعية القديمة لمنع سابقة تفقد مجلس الأمن دور الحكم المحايد. وفي خط متصاعد، حسمت فرنسا خيارها الاستراتيجي بشكل علني لا تقبل التأويل، لتنتقل من الدعم الخفي إلى الاصطفاف الصريح إلى جانب المقترح المغربي، مستهدفة تحصين مكتسباتها الاقتصادية والسياسية الكبرى مع الرباط في وجه التعنت الروسي.
وفي قلب هذا الاحتقان الأممي والانسداد الخطير، جاء إصدار البلاغ المغربي ليشكل “ضربة معلم” استراتيجية بامتياز، حيث تمكنت الرباط من خلال هذا التحرك المباغت والمحسوب بدقة من قلب الطاولة وقطع الطريق على كل مناورات الخصوم والأطراف المناوئة الرامية لتمييع المكتسبات الوطنية والالتفاف على المرجعية التفاوضية، مرسلة رسالة حازمة تؤكد جاهزية الدبلوماسية المغربية لفرض إيقاعها وسيادتها المطلقة.
وعلى ضوء هذا المأزق المزدوج، تنفتح الآفاق المستقبلية للملف على ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم مسار المرحلة المقبلة، يتقدمها السيناريو الأرجح المتمثل في اضطرار أعضاء المجلس إلى تسوية ترقيعية عبر إقرار “تمديد تقني قصير المدى” لتفادي الفراغ الأمني والعسكري وحفظ ماء الوجه، مقابل سيناريو ثان يضع البعثة تحت الإشراف الإداري المحض للأمين العام بغطاء قانوني ضعيف حال استمرار التعنت، وصولا إلى السيناريو الأشد خطورة المتمثل في انهيار التزامات وقف إطلاق النار وغياب المظلة الأممية، مما قد يدفع بالمنطقة نحو تصعيد ميداني يتطلب يقظة تامة وحزما سياديا صارما.
هكذا يجد مجلس الأمن نفسه اليوم رهينا لحسابات القوى الكبرى وصراع الأقطاب، بينما تثبت الدبلوماسية المغربية، عبر تراكم ميداني وثبات استراتيجي، أن السيادة لا تتبدل بالتعثرات الأممية ولا تمنح على موائد التسويات الرمادية. وبينما ترتجف الدبلوماسيات الكلاسيكية أمام مطرقة “الفيتو” وسندان الانسداد، تظل الرباط تفرض إيقاعها الخاص بمعادلة واضحة وهي أن الأرض تحصنها الشرعية، والمستقبل يصنعه الوضوح، ومن يرهن أوراقه بعجز الأمم المتحدة عن فرض قراراتها، فليس له سوى انتظار خيباته على صخرة الصحراء المغربية الحصينة.