“سافر بالدرجة الأولى واستعد للجحيم”.. ماذا حدث داخل القطار 303 المتجه من طنجة إلى فاس؟

لم يكتف المكتب الوطني للسكك الحديدية بالارتباك المتكرر في مواعيده وتدني جودة بعض خدماته، بل واصل الاستهتار بكرامة المرتفقين والمواطنين في أبهى مظاهره. حادثة القطار رقم 303 الرابط بين طنجة وفاس، والذي انطلق على الساعة 11:50 صباحا، لم تكن مجرد عطب تقني عابر، بل كشفت عن عقلية تدبيرية تضرب بعرض الحائط أدنى قواعد المسؤولية والعقد التبادلي الذي يربط المؤسسة بزبنائها.
تفاصيل الفضيحة كما عاشها الركاب تعكس عبثا غير مسبوق، فقد وجد ركاب “الدرجة الأولى” أنفسهم داخل عربات يغيب عنها التكييف بالكامل في ظروف جوية خانقة، رغم دفعهم لمبالغ إضافية لقاء الحصول على خدمة مريحة تتناسب مع قيمة التذكرة. غير أن الطامة الكبرى لم تقف عند حدود العطب الفني، بل تعدتها إلى السلوك الإداري والحلول العبثية التي قدمها مسؤول القطار، حين خير ركاب الدرجة الأولى بين البقاء في جحيم الحرارة أو الانتقال إلى عربات الدرجة الثانية للاستفادة من التكييف.
هذا المنطق الرعين يطرح أسئلة حارقة حول كيفية إدارة هذه المؤسسة العمومية لمعاملاتها مع الزبناء. بأي حق يفرض على مواطن أدى ثمن خدمة ممتاز (Première Classe) أن يتنازل عن حقه والتوجه لدرجة أدنى فقط للحصول على حقه الطبيعي في التكييف؟ وإذا كان التوجه للدرجة الثانية هو الحل القسري المتاح، فأين هو إرجاع فارق الثمن الصريح الذي يفرضه القانون والأخلاق التجارية؟ أم أن المكتب يستمر في استخلاص مقابل خدمات وهمية لا يقدمها على أرض الواقع؟
الأدهى من ذلك كله، هو المعطى الخطير الذي كشف عنه أحد مسؤولي القطار عينه، حين أكد صراحة أن القطار رقم 303 كان من المفروض قانونيا وتقنيا ألا ينطلق أساسا بسبب انعدام التكييف، غير أن الإدارة أصرت على إعطاء أوامر الانطلاق وفرضه على الخط، وهو ما يعني إننا أمام حالة استهتار مكتملة الأركان، تغلب منطق التخلص من الرحلة على حساب سلامة، وراحة، وكرامة المسافرين.
عجيب أمر هذه الفصام الإداري الذي نعيشه، فنحن البلد الذي يستعد لاستضافة العالم في المونديال، ويتباهى بالقطار الفائق السرعة والبنيات التحتية المستقبلية، لكنه في الوقت ذاته يعجز عن صيانة “مكيف” في قطار عاد، بل ويصر بإرادة منفردة على إطلاق رحلة معطوبة نحو فاس، تخيلوا فقط وجه مشجع أجنبي يشتري تذكرة الدرجة الأولى ليجد نفسه داخل “سونة متحركة”، وحين يشتكي يقال له بكل بساطة، “تفضل بالنزول إلى الدرجة الثانية إن أردت بعض الهواء”. اليوم يبدو أن إدارة السكك الحديدية قررت تدريب المسافرين من الآن على قوة التحمل والعيش في الظروف القاسية، ضمن “حزمة متميزة” أدى المواطن ثمنها من جيبه دون أن يحصل حتى على اعتذار.
وبالتالي فالتعامل مع المواطنين والزبناء بكبرياء وتجاهل كأنهم “لا شيء”، واستخلاص أموالهم دون الوفاء بالتزامات دفتر التحملات، يكرس واقع التردي ويطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة أجهزة الرقابة والحكامة داخل المكتب الوطني للسكك الحديدية. فإلى متى يظل المواطن المغربي يؤدي ثمن التباهي بالمشاريع الكبرى في الواجهة، بينما يكتوي في رحلاته اليومية بجحيم الأعطاب والحلول الارتجالية المقيتة؟