​210 مليون سنتيم لتلميع “الواجهة”.. هل تحولت غرفة الصناعة والتجارة والخدمات بطنجة لوكالة إعلانات؟

طنجة – تحولت اللجان الدائمة لغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى كواليس لمواجهة مالية ورقمية ساخنة، فقبل أن يتم حسم الصراعات السياسية التي أدت لاحقا إلى تعذر انعقاد الدورة العادية للجمعية العامة بالعرائش، كانت أروقة النقاش الداخلي داخل لجنة الشؤون المالية والميزانية تشهد تشريحا غير مسبوق لوثائق التدبير، ولم يكن مكمنا الإثارة في مجرد تلاسن عابر بين الفرقاء، بل في أرقام صماء وضعتها المعارضة ومستشارون بالمكتب تحت مجهر المساءلة، لتدق ناقوس قلق استراتيجي حول هندسة الصرف ومآلات المال العام لمنتسبي الجهة.

لعل البند الذي فجر سجالا واسعا وأسال الكثير من المداد هو بند خدمات التواصل، غير أن قراءة هذا الرقم بشكل معزول لا تعطي الصورة الكاملة للوضعية المالية، حيث يقتضي التحليل المالي تفكيك الكتلة النقدية الإجمالية المخصصة لنفس الغرض لفهم الأبعاد الحقيقية للاعتراض، ورغم أن بند خدمات التواصل رصد له 600.000,00 درهم (60 مليون سنتيم) صرف منه فعليا 442.800,00 درهم بنسبة تنفيذ عالية تقارب 74%، فإن النبش في تفاصيل الوثائق الميزانياتية يكشف عن تفرع هذه النفقات إلى بنود رديفة، حيث تم رصد بند الإشهار والتسويق الإعلامي اعتماد منفصل بقيمة 400.000,00 درهم (40 مليون سنتيم)، فيما تم تخصيص بند الدراسات والبحوث التواصلية مبلغ 500.000,00 درهم (50 مليون سنتيم)، والتهم بند الطبع والنشر المؤسساتي بدوره حصة مبرمجة في حدود 600.000,00 درهم (60 مليون سنتيم)، وبعملية تجميع حسابية بسيطة لهذه البنود المتداخلة (التواصل + الإشهار + الدراسات التواصلية + الطبع)، نجد أن الغرفة عبأت كتلة مالية إجمالية تناهز 2.100.000,00 درهم (210 ملايين سنتيم) تحت يافطة شاسعة عنوانها “التسويق والصورة المؤسساتية”.

وحين يواجه المكتب المسير هذه المساءلة داخل اللجان، فإنه عادة ما يحتمي بالمسوغات القانونية والمحاسباتية الجاهزة عبر صفقات عمومية منضبطة، وسندات طلب لشركات تواصل خاصة، وكلفة إصدار “رسالة الغرفة”، وتغطية الرحلات والمشاركات بالمعارض الدولية واللقاءات الجهوية، ومحاسباتيا، نعم قد تبدو المساطر سليمة ومستوفية للشروط الإدارية والتأشيرات، لكن من المنظور الاستراتيجي والتدبيري، فإن صرف زهاء 443 ألف درهم في بند تواصل فرعي، إلى جانب وجود أكثر من 160 مليون سنتيم في بنود ترويجية محاذية، يمثل تخمة تواصلية تطرح أكثر من علامة استفهام في عز أزمة خانقة يعيشها التاجر الصغير والمهني بالجهة.

أمام هذا المعطى الميداني، وأمام تشبث أعضاء اللجان بحقهم في الرقابة والتدقيق، ترتفع درجة المساءلة لتطرح أسئلة حارقة تتجاوز الشكليات الإدارية.

فإذا كانت الغرفة قد صرفت ما يقارب 443 ألف درهم على خدمات التواصل، فما الذي قدمته شركات التواصل المتعاقد معها ولم تغطه الـ 40 مليون سنتيم المخصصة للإشهار والتسويق؟ ألا يمثل هذا النمط تقطيعا مصطنعا للبند الواحد لتفادي مساطر طلبات العروض المفتوحة واللجوء لسندات طلب تفضيلية؟ وما هو العائد على الاستثمار بالنسبة للتاجر البسيط في أسواق طنجة أو تطوان، أو الصانع والمهني بالحسيمة، من صرف 210 ملايين سنتيم على تلميع الصورة المؤسساتية للغرفة؟ هل انعكس هذا التواصل المالي المرتفع بزيادة رقم معاملات المنتسبين وحمايتهم من الركود، أم أن تزيين الواجهة أضحى أهم من خدمة الأصل؟ ومن هي الشركات والمكاتب التي نالت حصة الأسد من مبلغ 442.800,00 درهم المصروف؟ وما هي المعايير المعتمدة في انتقائها؟ وهل تخضع صفقات التواصل داخل الغرفة لقواعد الحكامة والمنافسة الشريفة، أم أنها تحولت إلى سندات لتجميع الولاءات وإسكات الأصوات المنتقدة؟

في جهة تتلاطم فيها تحديات هيكلة القطاع غير المنظم، وتوفير بدائل السكن والخدمات المهنية، ومواكبة المقاولات الناشئة، كيف يقنع المكتب المسير الرأي العام بأن إنفاق ملايين السنتيمات على “الدراسات المطبوعة والمجلات” يتقدم في الأولوية على دعم برامج التكوين المباشر والمواكبة الميدانية للمهنيين؟

وبالتالي بقاء 157.200,00 درهما غير مستهلكة من بند خدمات التواصل لا يعكس حسا تقشفيا، بل يترجم ارتباكا في التخطيط المالي وتوزيع الاعتمادات، وأن غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الشمال ليست وكالة تجارية تبحث عن الشهرة، بل هي مؤسسة دستورية موكول إليها رعاية مصالح المهنيين وتنشيط الاقتصاد الجهوي، وإلى أن تفرج الإدارة عن بيان التفاصيل والخدمات المؤداة بالفواتير والوثائق، ستظل هذه الأرقام شبهة تدبيرية تغذي فجوة الثقة بين القواعد المهنية والمكتب المسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *