الريع الرياضي بين المركز والهامش.. كيف تحظى الرباط بالأكاديميات وتترك طنجة للمضاربة؟

بقلم | فؤاد السعدي
تثير الضجة العارمة والتسريبات الكاشفة حول الميزانية الفلكية المرصودة لأكاديمية نادي يعقوب المنصور بالرباط، والتي تجاوزت 100 مليون درهم بتضافر سخي بين قطاع الرياضة، ومجلس الجهة، والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أسئلة حارقة تتعدى حدود شبهة تضارب المصالح وهندسة الدعم على المقاس، لتسلط الضوء على طبقية المرفق الرياضي والعدالة المجالية المغشوشة بالمغرب.
فهذه الواقعة لم تكن مجرد كواليس مالية لتمرير اعتمادات لناد يحظى برعاية وزارية حصرية، بل هي تجسيد صارخ ومكشوف لطبيعة الاستماتة الشرسة التي يخوضها نواب ومسؤولو مدن المركز حماية لمصالح حواضرهم وتوفيرا للغطاء العقاري والمالي لمنشآتهم، في مقابل استسلام مثير للشفقة ونوم عميق يغط فيه مسؤولو مدن الشمال، وعلى رأسهم برلمانيو ومنتخبو مدينة طنجة الذين ارتضوا لأنفسهم دور المتفرج الصم الأخرس في سوق المزاد الرياضي والمالي.
هذا وتكشف المقارنة بين ما تحظى به العاصمة والمدن المحظوظة المحيطة بها، وبين ما ينال عروس الشمال طنجة، تكشف عن مفارقة تنموية موجعة ومستفزة، بمعنى في الوقت الذي تتجند فيه أجهزة الدولة وقطاعاتها الموازية لتذليل العقبات العقارية واقتطاع الهكتارات من غابة المعمورة لإنشاء أكاديمية كروية فرعية باسم حي رباكي، وتتدفق الملايين بسلاسة بدعم مباشر من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تترك طنجة، بوابة المغرب نحو العالم وقطبه الاقتصادي الثاني، للأسف تعاني من شح مهين في المنشآت الرياضية والتكوينية عالية المستوى، وتتخبط أنديتها وتجهيزاتها القائمة في دروب العشوائية وضعف التمويل الإداري والجامعي. فتلك الجامعة ذاتها، التي تسارع إلى ضخ نصف ميزانية أكاديمية الرباط بـ 50 مليون درهم دون تردد، هي نفسها التي تتعامل بكيل بمكيالين وببرود تام مع المطالب الرياضية والبنيوية لجهة طنجة تطوان الحسيمة، موجهة بوصلة الاستثمار الكروي حصريا نحو حلبة المركز والجهات الأكثر قربا من مكاتب القرار بالرباط.
كما أن زيف هذه العدالة المجالية يتجلى في مفارقة العقار الرياضي بين المركز والهامش، فبينما يتم فتح الأوعية الغابوية العذراء بسلا ليتم فرشها بالملايين من أجل أن تنعم بالمسطحات الخضراء والمنشآت الحديثة لصالح أندية العاصمة، تخنق الممارسات العقارية أحياء طنجة الكبرى ومجالاتها الشعبية كـ “بني مكادة” و”بئر الشفاء” وغيرها، حيث تترك آلاف الطاقات الشبابية والرياضية لمواجهة الاختناق العمراني وشح الملاعب السليمة. فأي وعاء عقاري بعروس الشمال يترك للبيع أو يسلم سهلا للمضاربات السكنية والتجارية الاستهلاكية، بعيدا عن تخصيص متنافسات أو مراكز تكوين كروي حقيقية تصون المواهب، وسط عجز فاضح لمسؤولي المدينة الذين لم يستطيعوا حتى الترافع لاقتطاع وعاء مخزني أو ترابي يقام عليه مركز تكوين جهوي يليق بالوزن الديمغرافي والرياضي للمدينة.
ولعل هذا الخلل العقاري لا يتجاوزه إلا منطق الريع والاستئثار في التمويل الترابي والجامعي، ففي الوقت الذي يضخ فيه مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة 25 مليون درهم بكل أريحية لدعم مشروع أكاديمية كروية بقلب المركز، يظل مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة غارقا في تمويل واجهات تسييرية تقليدية وترقيعات الميزانيات لأندية تترنح بين أقسام الهواة والعجز المالي الخانق. وهنا يبرز السؤال اللاذع حول أوجه صرف الميزانيات الجهوية، وما إذا كانت تعاني بالفعل من شح الموارد أم من غياب الرؤية الاستراتيجية وانشغال المسؤولين بإرضاء الأجندات الانتخابية الضيقة، في الوقت الذي تقتنص فيه حواضر القرار السياسي المخصصات المالية الاستثمارية الكبرى من الجامعة والقطاعات الحكومية.
كما يضع هذا التفاوت الصارخ المسؤولين والمنتخبين بمدينة طنجة أمام مسؤوليتهم الأخلاقية والسياسية الكاملة، فبينما يتدافع هؤلاء خلال الاستحقاقات الانتخابية، يستميت نواب الرباط ويستغلون نفوذهم في دواليب السلطة لانتزاع الدعم والعقار، بالمقابل يبدي مسؤولو طنجة خنوعا تنمويا جعل من المدينة مجرد واجهة للاستعراض والاستضافة في المحافل الدولية الكبرى، في حين تجنى الثمار البنيوية والاعتمادات التكوينية المستدامة داخل صالونات المركز.