سقوط قناع “الحكامة” بميناء طنجة المتوسط.. عقود سرية، عزلة تنموية، وإدارة فوق المساءلة

طنجة – في الوقت الذي يتم فيها تسويق المنشأة المينائية والصناعية “طنجة المتوسط” كواجهة اقتصادية براقة وتقديمها كمنصة لوجستية عالمية وثاني أكبر ميناء في حوض البحر الأبيض المتوسط، تكشف القراءة العميقة لكواليس تدبير هذه المنشأة عن مفارقات صارخة واختلالات بنيوية تضع الحكامة المؤسساتية والمسؤولية الوطنية للمؤسسة على محك حقيقي.
وتتبدى أولى مظاهر هذا التخبط التدبيري في طريقة إدارة قطاع التواصل، الذي حول الشراكات والرعايات الإعلانية إلى أداة للانتقائية والمحسوبية خارج نطاق دفاتر التحملات ومساطر طلبات العروض الشفافة، حيث يتم استبعاد المؤسسات الصحفية الجادة والمستقلة مقابل منح الامتيازات لمنابر بعينها وفق معايير مزاجية تبتعد عن المقاييس المهنية من قبيل نسبة الانتشار، حجم المتابعة، أو التأثير.
والأدهى من ذلك أن إدارة التواصل تحيط هذه العقود بستار كثيف من السرية، ممتنعة حتى عن تسليم النسخ للمنابر المستفيدة نفسها، في خطوة تؤكد الشبهات حول رغبة المؤسسة في تطويع الخطوط الافتتاحية، وتوظيف الإمكانات المادية لتلميع صورة مسؤوليها التنفيذيين وتسويق الرواية الأحادية، بدلا من إرساء سياسة إعلامية قائمة على تكافؤ الفرص والشفافية.
ولا يقف حدود هذا التباهي الاستعراضي بالأرقام القياسية عند حدود الإقصاء الإعلامي، بل يتصادم بحدة مع الواقع التنموي المتردي للمحيط الجغرافي المباشر للميناء، حيث يظل الأثر التنموي للمركب ضئيلا على مناطق الفنيدق، المضيق، وطنجة. وبالتالي في مقابل المليارات التي تدرها هذه المنشأة، تقف الإدارة عاجزة أو متغاضية عن إحداث فرص شغل قارة ومباشرة لأبناء المنطقة، مفضلة التوارث خلف شركات الوساطة وتدبير العمالة غير المباشرة (L’intérim) التي تجهز على الحقوق الشغلية والاجتماعية للشباب والعمال المحليين، ما يعمق الفجوة بين غنى المنشأة وفقر مجتمعها المجاور.
وتكتمل صورة التكتم التنظيمي بالتوازي مع هذا الانفصال التنموي في التعاطي مع إدارة المخاطر والمسؤولية البيئية، ففي الوقت الذي ينشط فيه قطاع التواصل في توزيع البلاغات الدعائية، يفرض هذا القطاع حظرا إعلاميا مشددا وصمتا مريبا عند وقوع الأزمات والتحديات الميدانية، سواء تعلق الأمر بتسربات حوادث الشغل، أو الحرائق والتوقفات المفاجئة في المنافذ المينائية، معتمدا سياسة “التكتم والتستر” التي تعطل الأدوار الرقابية للإعلام وتغيب حق الرأي العام والساكنة الشمالية في المعرفة والتأكد من السلامة البيئية والمرفقية.
وعلى المستوى التشغيل الميداني، تحول المركب بالتوازي مع هذه الاختلالات بالنسبة لشركات النقل الطرقي والمهنيين المغاربة إلى آلة حادة لجباية الرسوم ورفع أسعار الخدمات، حيث يعاني سائقو شاحنات النقل الدولي والمصدرون المغاربة من طوابير الانتظار الكيلومترية، وتعقد مساطر التفتيش، وتدهور جودة المرافق المخصصة للاستراحة والخدمات اللوجستية الداخلية، مما يضرب في العمق تنافسية المنتج الوطني ويزيد من الأعباء المالية على المقاولات المغربية دون تقديم خدمات ترتقي لشعار “الميناء العالمي”.
ويظل أصل هذا العبث الإداري كامنا ومتجذرا في طبيعة تعاطي إدارة “طنجة المتوسط” مع نفسها كقلعة مغلقة عصية على المساءلة، حيث يتم تحريف صفة “المشروع الاستراتيجي” لتتحول إلى درع يحمي التدبير الفردي من أي رقابة مؤسساتية أو استطلاع برلماني أو افتخاص مالي وإداري من طرف المجلس الأعلى للحسابات للشركات الفرعية التابعة للمجموعة. هذا التغيب الممنهج لأجهزة الرقابة هو ما يكرس منطق التدبير الفوقي ويمنع الصحافة الوطنية المستقلة من النبش في الملفات المالية والصفقات التنفيذية.
كما يسيء استمرار إدارة المركب الملاحي والصناعي طنجة المتوسط في هذا النهج الانغلاقي والممارسات الانتقائية لسمعة المنشأة الوطنية ومكانتها الاستراتيجية، وهو ما يستدعي بصفة عاجلة تحريك آليات الافتحاص المؤسساتي والمالي لإنهاء منطق المحسوبية وشخصنة الإدارة، وإخضاع هذا المرفق الحيوي لقواعد الحكامة والشفافية ودولة القانون. يتبع..