قنبلة موقوتة تحت أقدام حكومة المنصوري.. هل تنجح وعود “الـ 3000 درهم” في إطفاء حريق التقاعد قبل نفاذ الصناديق؟

تعود حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لطرح ملف إصلاح أنظمة التقاعد الشائك متسلحة بوعود اجتماعية جاذبة، في مقدمتها رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهريا وتمكين الأرامل من المعاش الكامل بدلا من النصف، لتجد نفسها أمام تركة ثقيلة خلفتها الحكومات المتعاقبة التي عجزت عن تجاوز مسكنات التعديلات الجزئية واستنزاف الوقت في حوارات اجتماعية معطلة.
هذا الملف الاجتماعي المعقد لم يعد يحتمل التأجيل أو إعادة إنتاج أدبيات التشخيص، فالرهان اليوم يضع الجهاز التنفيذي أمام امتحان حقيقي يختبر قدرته على تحويل الوعود إلى قرارات تمويلية واضحة تضمن حقوق المتقاعدين وتصون التوازنات المالية للمنظومة بعيدا عن كلفة التأجيل التي تراكمت عبر سنوات من المناورة والهروب إلى الأمام.
وتكشف العودة لكرونولوجيا هذا الورش كيف أدارت السلطة التنفيذية ظهرها للإصلاح بنيوي شامل، فمنذ لجوء حكومة عبد الإله بنكيران عام 2016 إلى حلول مقياسية قاسية تمثلت في الرفع التدريجي لسن التقاعد إلى 63 سنة وزيادة نسب الاشتراك مع تعديل طريقة احتساب المعاش، ظلت المنظومة تعاني من التفاوتات العميقة وضيق قاعدة التغطية. ومع انتقال المشعل إلى حكومتي سعد الدين العثماني وعزيز أخنوش، استمر الدوران في حلقة مفرغة من المشاورات دون التوصل إلى صيغة متوافق عليها لتوزيع الأعباء، وهو ما أجج رفض النقابات العمالية، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي طالبت باستمرار بإعادة الملف إلى طاولة الحوار الاجتماعي لمنع تحميل الأجراء والموظفين وحدهم فاتورة سوء التدبير والاختلالات المتراكمة.
ومع امتداد جولات التشاور ودخول اللجان التقنية خط الأزمة خلال السنتين الماضيتين دون إحراز حسم ملموس، تضاعفت التحذيرات الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية والرقابية، حيث تنبه التقديرات والدراسات المتخصصة إلى خطر حقيقي يتهدد الاحتياطيات المالية لأنظمة التقاعد المدنية التي تواجه شبح النفاد في آجال زمنية ضاغطة، مع ارتفاع كلفة الالتزامات غير الممولة إلى مستويات قياسية تشكل نسبة مهولة من الناتج الداخلي الإجمالي.
هذه الأرقام المزعجة تفند أي رهانات على حلول ظرفية، وتفرض رسم هندسة مالية شجاعة تكشف بشفافية عن حجم العجز المتوقع ومصادر تمويله بدلا من الاكتفاء بترقيعات مجزأة ترحل الأزمة للأجيال المقبلة.
وفي ظل هذا التدافع بين الضغط المالي والمطالب الاجتماعية، تبدو الالتزامات الجديدة للحكومة المتعلقة برفع المعاشات الصغرى ومضاعفة نصيب الأرامل محكا مفصليا لمدى جديتها في التعاطي مع الملف، فهذه الوعود، رغم أبعادها الإنسانية المشروعة، تظل محفوفة بالغموض في غياب جدول زمني واضح ومحدد وآليات تمويل دقيقة ومصادر إجابة صريحة عن التكلفة الإجمالية للتنفيذ.
اليوم، يتطلع المنخرطون والمتقاعدون إلى رؤية إجراءات عملية تؤطر هذه التعهدات وضمانات قانونية تصون الحقوق المكتسبة، لإنهاء حالة الترقب الطويلة وحسم الشكوك حول ما إذا كانت هذه الوعود ستسلك طريق التنزيل الفعلي أم ستضاف إلى لائحة التعهدات المعلقة التي طبعت مسار هذا الملف لسنوات.