هندسة على المقاس.. كيف عبرت ملايين أكاديمية كرة القدم لـ “يعقوب المنصور” بعد انتقال قطاع الرياضة ليد بنسعيد؟

بينما ترفع الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي شعارات معلنة حول تخليق الحياة العامة، محاربة تضارب المصالح، والقطع مع الممارسات الانتهازية، تكشف الكواليس الإدارية والسياسية عن وضعيات تثير تساؤلات حارقة حول مدى الانضباط لمبادئ الحكامة الجيدة وجدية الإرادة في فصل المسؤولية الحكومية عن المصلحة الخاصة.

ولعل النموذج البارز الذي يضع هذه المبادئ في محك حقيقي، هو الملف المالي والعقاري المرتبط بمشروع إحداث أكاديمية كرة القدم التابعة لنادي اتحاد يعقوب المنصور، الذي يترأس مكتبه التنفيذي وزير الشباب والثقافة والرياضة، المهدي بنسعيد.

حيث تشير المعطيات والتسريبات المتواترة بشأن مشروع قانون المالية إلى التمهيد لتخصيص مساهمة عمومية بـ 25 مليون درهم لإحداث هذه الأكاديمية، وهو المبلغ الذي ظل، وفق مصادر متابعة، يشكل عقبة أمام تنزيل المشروع عندما كان قطاع الرياضة تابعا لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تحت إدارة وزير من حزب التجمع الوطني للأحرار. غير أن النقطة المفصلية التي تتطلب المساءلة، هي أن هذا التجميد المالي لم يجد طريقه إلى الحل إلا بعيد تنصيب حكومة المنصوري ونقل اختصاصات الرياضة مباشرة إلى الوزارة التي يشرف عليها رئيس النادي المعني، وهو ما يطرح أسئلة مشروعية حول طبيعة هذا التزامن وعما إذا كان نقل الوصاية الإدارية قد ساهم في إعادة ترتيب الأولويات وتدفق الاعتمادات بقرارات تشوبها شبهة المحاباة.

وتزداد حساسية هذه المعطيات بالنظر إلى شبكة التمويل الممتدة التي تحيط بالمشروع البالغة كلفته الإجمالية 100 مليون درهم، حيث تضم المساهمات 50 مليون درهم من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم برئاسة الوزير فوزي لقجع، و25 مليون درهم من مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة برئاسة رشيد العبدي. وبالتالي التقاء هذه القطاعات والمؤسسات العمومية والترابية يتطلب إخضاعه لأعلى درجات الشفافية لضمان عدم حصر الدعم الاستثماري الرياضي في خانة الاستئثار، ولصون مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة المجالية بين مختلف الأندية الوطنية التي تعاني من خصاص مالي وبنيوي خانق.

كما يطرح التوطين الجغرافي للمشروع مفارقة ترابية واضحة، حيث يحمل اسم حي يعقوب المنصور بالرباط، في حين يتقرر تشييده على وعاء عقاري غابوي تبلغ مساحته نحو 6.5 هكتارات بغابة المعمورة بمدينة سلا الجديدة بتوفير من الوكالة الوطنية للمياه والغابات. وهذا الاستغلال للأوعية العقارية الغابوية لصالح منشأة كروية تابعة لناد محدد يفتح النقاش حول معايير تخصيص العقار العمومي ومدى أسبقيته مقارنة بالمشاريع الاجتماعية المباشرة وملاعب القرب داخل الأحياء المأهولة.

وفي المقابل، تحاول الرواية الصادرة عن مصادر مقربة من الوزير نفي وجود أي تضارب للمصالح، متمسكة بأن المشروع يعود لأكثر من ثلاث سنوات ولا يستهدف تحقيق أرباح شخصية بل يخدم تكوين الناشئة، وأن اختيار عقار سلا ارتبط بتوفر المساحة المجهزة. غير أن هذه المبررات تظل محط مناقشة وتحليل، حيث لا يوضح هذا الطرح سبب تأخر الإفراج عن الاعتمادات إلى حين انتقال الوصاية القطاعية، كما أن الطابع غير الربحي للجمعيات الرياضية لا يعفي الإدارة من وجوب إخضاع التمويل المالي والعقاري للمساطر التنافسية ودفاتر التحملات المعلنة لجميع الأندية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديث عن إعداد قانون المالية لا يلغي دور القطاعات التنفيذية في مراجعة وتوجيه الاعتمادات القطاعية، مثلما أن العذر العقاري لا يلغي التساؤل عن جدوى ترحيل منشأة باسم حي شعبي إلى مجال غابوي بمدينة أخرى.

وتضع هذه المعطيات بمجملها القواعد الإدارية وأخلاقيات المرفق العمومي أمام اختبار الشفافية وحسن التدبير، مما يجعل التدخل الرقابي للمؤسسات المختصة أمرا ضروريا للتحقق من سلامة المساطر المالية والعقارية، وضمان تكافؤ الفرص، وتأكيد علوية القانون في إدارة الموارد العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *