ما بعد سقوط عمدة طنجة.. أين كانت سلطة الوالي قبل أن تصحو المدينة على الفاجعة؟

بقلم | فؤاد السعدي
هل كان لزاما أن تنفجر القضية الجنائية الكبرى وتستنفر الأجهزة الأمنية والقضائية حتى تتكشف حقيقة العبث التدبيري الذي خنق مدينة طنجة لسنوات؟ أين كانت أعين سلطة الوصاية الترابية، وعلى رأسها والي الجهة، حين كانت التقارير الصحفية الرسمية، ومحاضر الوكالة الحضرية، وأحكام القضاء الإداري تتساقط كالشهب لتدق ناقوس الخطر حول ما يقع داخل أروقة المجلس الجماعي؟ إشعال الأسئلة الحارقة هنا ليس مجرد ترف صحفي، بل هو تمرين في المواطنة والمساءلة السياسية والأخلاقية التي يفرضها الدستور المغربي حول مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتنعكس تجليات هذا التمرين الدستوري بشكل مباشر على أرض الواقع حين نتساءل، كيف يمكن التغاضي عن ملف عمراني صارخ كـ “ملعب البادل” بحي بوبانة، رغم وقوف اللجان المختلطة والوكالة الحضرية على أشغال غير قانونية تم تشييدها فوق عقار مخصص أصلا كفضاء عمومي، ليصدر بعد ذلك ترخيص يشرعن الأمر الواقع دون أن تحرك الولاية مسطرة العزل بموجب المادة 64؟ وهل كان مستساغا أن تقف سلطة الرقابة موقف المتفرج حين تم توقيع مئات رخص التسوية المثيرة للجدل عبر منصة “رخص”، والتي تجاوزت تسوية المخالفات البسيطة إلى تغيير معالم تصاميم التهيئة لصالح نافذين؟ هذه التجاوزات الموثقة رسميا كانت تتطلب إعمال الصرامة وتفعيل السلطات الرقابية قبل أن يستنزف “الاعتداء المادي” ونزع الملكية الجبري ميزانية الجماعة بأحكام قضائية نهائية تجاوزت 150 مليون درهم.
وامتدادا لهذه الاختلالات الميدانية المسكوت عنها، يأتي هذا التباين اللافت في السرعة والتعاطي الإداري ليفتح باب التساؤل المشروع حول معايير العدالة الإدارية بجهة الشمال، فبينما تحركت السلطة الترابية والمفتشية العامة بصرامة ودون تردد لعزل رئيس مقاطعة طنجة المدينة ونوابه، ساد صمت مريب وتأن غير مفهوم تجاه تجاوزات رأس الهرم الجماعي. وفي هذا السياق بالذات، يطرح التردد الإداري استفهاما حارقا حول ما إذا كانت الحسابات السياسية والتوازنات التنظيمية أثقل وزنا من حماية المال العام والمرفق الجماعي، إذ أدى هذا الصمت المتواصل، قصدت السلطة أم لم تقصد، إلى إرسال إشارات خاطئة للعمدة ومساعديه المقربين بأنهم فوق الرقابة، وهو ما فتح الباب أمام التمادي وصولا إلى الفضائح الشديدة التي كشفت كواليس شبهات الابتزاز وخرق المساطر.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند حدود هذه المراقبة البعدية، بل تمتد لتسائل أجهزة الولاية عن مدى نجاعة آليات الافتحاص المالي والإداري المبكر التي يتيحها القانون. فتعثر المشروعات التنموية وشلل صفقات المساحات الخضراء والنوافير المعطلة، إلى جانب الاختلالات العميقة التي شهدها سوق الجملة للخضر والفواكه، كانت كلها مؤشرات ميدانية صريحة تعكس سوء التدبير وتهديد الموارد المالية للجماعة. وعليه، فإن الوقوف موقف الحياد أمام هذه الاختلالات اليومية يضع نجاعة الأجهزة الاستشارية والرقابية للولاية في موضع اختبار حقيقي، إذ كيف يعقل أن تغيب مثل هذه التقارير الميدانية عن مكتب الوالي بينما كانت الصحافة والرأي العام يواكبون هذه التفاصيل الصادمة بشكل يومي؟
ويتعمق هذا المأزق الرقابي أكثر حين ندرك أن التساهل مع الأخطاء الإدارية والتغاضي عن خرق القرارات التنظيمية يؤديان حتما إلى شرعنة الشطط وإضعاف هيبة الدولة. فعدم اتخاذ موقف حاسم في إبانه يفقد مؤسسة الوصاية قدرتها الاستباقية، ويجعل الإدارة الترابية تبدو وكأنها تنتظر وقوع الكوارث لتتدخل كطرف معالج بدلا من أن تكون صمام أمان وقائي، ذلك أن الحفاظ على المرفق العام يتطلب شجاعة إدارية في مواجهة الانحرافات في مهدها، لأن التسامح مع التجاوزات الصغرى هو ما يمهد الطريق حتما لنشوء الفضائح الكبرى التي تمس في النهاية بمصداقية المؤسسات ككل.
اليوم، لا يعني وضع مؤسسة الوالي تحت مجهر النقد والمحاسبة السياسية مسا بمهامها، بل هو تذكير بأن الوصاية الترابية صممت لتكون صمام أمان وقائي يحمي المدينة ومواطنيها في الوقت المناسب، وليس جهازا لتسجيل المآتم بعد وقوع الفاجعة. واليوم أيضا، تقف الإدارة الترابية أمام رسالة صريحة ومباشرة مفادها أن الصمت عن الفساد والتقصير في إعمال القانون قبل فوات الأوان كلفته السياسية والمهنية باهظة جدا.
فهل استوعب الكرسي الإداري، الذي اكتفى بالتفرج حتى سقطت المؤسسات في الهاوية، أنه كان أول من خسر مشروعيته الأخلاقية وهيبته الرقابية أمام الشارع والجهات العليا؟ وأي معنى يتبقى لسلطة الوصاية إذا كانت لا تبصر التجاوزات إلا بعد أن تفرغ الأجهزة الأمنية والقضائية أكياس الفضائح على رؤوس الجميع؟