مجلس الأمن على صفيح ساخن.. مسودة أمريكية مسربة “تقلب الطاولة” وتضع الحكم الذاتي الموسع في سكة الحسم النهائي

في تطور لافت وبالغ الدلالة يعيد رسم معالم النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية على بعد أيام قليلة من الحسم الأممي، تسربت مسودة أولية لمشروع القرار المرتقب عن مجلس الأمن الدولي الصادر باللغة الإنجليزية، والتي إن صحت تفاصيلها الحرفية، فإنها ستشكل انعطافة استراتيجية كبرى وتقلب الطاولة بشكل كامل لصالح الطرح المغربي.
وتتجسد قوة هذا النص المسرب في نزعه لفتيل الأطروحات الانفصالية والجزائرية، ووضعه لمقترح الحكم الذاتي الموسع في صدارة الحلول القابلة للتنزيل الفوري، وهو ما تؤكده سياقات ميدانية ودبلوماسية متسارعة، على رأسها التهديدات التي أطلقتها جبهة البوليساريو وممثلوها بالأمم المتحدة بالانسحاب والتلويح بالخروج الكلي من العملية التفاوضية والتسوية الأممية، في مؤشر واضح على حجم الصدمة التي تلقتها أطراف الطاولة الأخرى جراء ما تضمنته هذه الوثيقة الدبلوماسية الحاسمة.
وتستمد هذه المسودة الأمريكية قوتها الحقيقية من المراجعة المفهومية الشاملة التي أجرتها على أدبيات النزاع، حيث يأتي التغيير الجذري لاسم بعثة “المينورسو” وحذف حرف “R” لتتحول رسميا إلى بعثة “المينوسو” (MINUSO) كإعلان أممي صريح عن وفاة خيار “الاستفتاء” (Referendum) الذي أثبتت عقود من الزمن تجاوزه التام وسقوطه في أفق التاريخ. بمعنى أن حذف هذا الحرف ليس مجرد تعديل شكلي أو لغوي، بل هو تفكيك دلالي ينهي طموح الأطروحة الانفصالية، ويعيد تعريف البعثة الأممية من دور “المراقب الإداري” إلى دور “البعثة السياسية للمواكبة والتيسير” (Political Mission)، الموكل إليها الإشراف الإداري والسياسي على تنزيل تفاصيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مما يجرد الخصوم من آخر ورقة كانوا يستغلونها لترويج وهم تقرير المصير بمعناه الكلاسيكي المتجاوز.
ويتصل هذا التحول المفاهيمي بسباق محموم مع الزمن الدبلوماسي لإغلاق هذا الملف الإقليمي بصفة نهائية، حيث تضع الوثيقة المسربة حدا لسياسة إدارة النزاع والتمطيط الزمني التي استنزفت المنطقة لعقود، عبر النص صراحة على حصر عمل البعثة في شكلها الجديد في ستة أشهر فقط من نهاية أكتوبر الجاري، لتتحول بعدها إلى مجرد لجنة سياسية مواكبة لمدة ستة أشهر أخرى، مما يضمن تحصين الملف وحسمه النهائي في أفق أكتوبر 2027. هذا المدى الزمني المحدد يعكس رغبة المجتمع الدولي والقوى العظمى في إتاحة المجال أمام المغرب لاستكمال مشاريعه الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية والاستعدادات الميدانية لاستضافة التظاهرات العالمية وفي صدارتها كأس العالم 2030، حيث تغدو استعادة الاستقرار الكامل للصحراء المغربية شرطا أمنيا واقتصاديا لا يحتمل التأجيل.
ولم يقف النص المسرب عند حدود الهيكلة الزمنية والسياسية للحل، بل تطرق أيضا إلى معضلة حقوقية وإنسانية ظلت العصا التي تعرقل بها الجزائر والبوليساريو جهود الأمم المتحدة، وذلك عبر الفرض الصريح والإلزامي لإحصاء سكان مخيمات تندوف بواسطة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين رغما عن أي رفض أو تعنت جزائري. هذه النقطة بالذات تشكل ضربة موجعة لبنية الاحتجاز داخل التراب الجزائري، إذ إن إجراء إحصاء دقيق وسلس سيؤدي حتما إلى إنهاء تجارة الدعم الإنساني الدولي التي اغتنت منها قيادات البوليساريو لسنوات، وتحديد الأعداد الحقيقية للمحتجزين، تمهيدا لمنحهم بطاقات اللاجئين الفردية وتوفير حرية التنقل وحق العودة المكفول إلى الوطن الأم، بعيدا عن حصار الميليشيات المسلحة.
ومن شأن هذا الإلزام الأممي الحاسم أن يضع الطرف المعني بالنزاع، النظام الجزائري وصنيعته البوليساريو، أمام مأزق تكتيكي حقيقي خياراته أحلاها مر، فإما الامتثال لقرارات مجلس الأمن والانخراط المباشر في تنزيل الحكم الذاتي والسماح بإحصاء مخيمات تندوف، وهو ما يعني الإقرار المباشر بانهيار المشروع الانفصالي وتفكيك خطابه الموجه للداخل، وإما التنفيذ الفعلي لتهديدات الانسحاب ومقاطعة المسار الأممي، وهو الخيار الذي سيجعل الجزائر والبوليساريو في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية والمجتمع الدولي، وسيمنح المغرب الشرعية الكاملة والمطلقة لتنزيل الحكم الذاتي على أرضه وفرض الأمر الواقع بدعم دولي أوسع.
وتتويجا لهذا المسار الدبلوماسي المتكامل ومخرجات المحطات التفاوضية السابقة التي شهدها عام 2026، تؤكد المسودة الأمريكية أن مقترح الحكم الذاتي الموسع المقدم من طرف المملكة لم يعد مجرد أحد الخيارات المتاحة، بل هو الإطار الوحيد والأوحد المطروح على طاولة مجلس الأمن. لقد أثبتت الدبلوماسية المغربية مرونة عالية من خلال تحديث وتوسيع مقترح الحكم الذاتي الصادر عام 2007 ليتلاءم مع الدينامية التنموية والميدانية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية، ومستجدات الاعترافات الدولية المتوالية، ليصبح القرار الأممي المرتقب بمثابة شهادة اعتماد دولية للرؤية المغربية، وينتقل الملف رسميا من التجاذب السياسي إلى مرحلة الأجرأة والتنفيذ السيادي الشامل على كامل التراب الوطني.