عشرات الوقفات للتضامن مع فلسطين وصمت شبه تام على السيادة.. من يعبئ شارع طنجة ولأجل ماذا؟

طنجة ـ لم يعد ممكنا تأجيل السؤال الذي تفرضه الحركية الاحتجاجية المكثفة ببعض شوارع طنجة، وهو كيف تقدر بعض الهيئات على تعبئة الشارع في قضايا خارج الحدود، وتعجز عن ذلك حين يتعلق الأمر بثوابت الوطن؟ فقد نظمت عشرات الوقفات تحت يافطة التضامن مع القضية الفلسطينية، في مقابل غياب شبه تام للتعبئة الميدانية في ملفات سيادية مصيرية. تباين بهذا الحجم لا يقرأ براءة تنظيمية ولا عفوية مجتمعية.

فأين كانت هذه الحشود حين كانت قضية الصحراء المغربية تتجه إلى الجلسات الأممية الحاسمة في أكتوبر؟ وأين المبادرات الميدانية التي ترد على إنكار حق المغرب التاريخي في سبتة ومليلية والجزر المحتلة؟ وأين كان صوت هذه الهيئات حين تعرضت المقدسات الإسلامية والأراضي السعودية الشقيقة لهجمات قتالية تمس الأمن القومي العربي والإسلامي في الصميم؟

اليوم ليس المطروح هنا لماذا نتضامن، فالتضامن مع القضية الفلسطينية ظل في التاريخ المغربي موقفا مبدئيا جامعا، ومحل إجماع مؤسساتي وشعبي، بل المطروح هو لماذا تتحول القدرة على التعبئة إلى أداة انتقائية، حاضرة بقوة في موضوع وغائبة في مواضيع أخرى لا تقل مصيرية. وهنا بالذات يبدأ الاشتباه في أن التضامن انتقل من حس إنساني إلى ورقة ضغط وأداة استعراض، تختبر قدرات التجييش وتحاول التأثير في الخيارات الدبلوماسية للدولة.

والأكيد أن للتضامن المغربي قنواته المؤسسية الفعلية، فالملك يرأس لجنة القدس، ووكالة بيت مال القدس الشريف تنفذ مشاريع ميدانية في المدينة المقدسة. وهذا يعني أن الشارع ليس المقياس الوحيد للالتزام بالقضية، وأن من يحتكر التعبير عنها في الساحات ليس بالضرورة أصدق من غيره فيها.

وللمدينة نفسها نصيبها من الكلفة. فما أثر هذه الوقفات المتكررة على حركة المرور والتجارة والتعبئة الأمنية في طنجة؟ وأين التعبئة حول قضايا المدينة الأولى، من تشغيل وسكن وماء؟ فالشارع الذي يعبأ دائما لقضايا الخارج ويترك صامتا أمام قضاياه المحلية، يستحق أن يسأل اليوم عمن يضبط إيقاعه.

ويبقى سؤال الشفافية مطروحا بلا مواربة، وهو من ينظم هذه الوقفات؟ وبأي ترخيص؟ وبأي تمويل؟ أسئلة مشروعة تطرح للتوضيح لا للاتهام، وجوابها حق للرأي العام قبل أن يكون واجبا على المنظمين.

وخلاصة الأمر أن الوحدة الترابية لا يحميها الحضور الدبلوماسي والمؤسساتي وحده، بل يلزمها وعي جمعي يرفض رهن الشارع لأجندات فئوية تضع القضايا الوطنية في المرتبة الثانية بعد الرهانات الأيديولوجية والتنظيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *