​من منصة “محاربة الريع” إلى كعكة الامتيازات.. أسماء في مكتب البرلمان تسقط في فخ الـ7 آلاف درهم والسيارات الفاخرة

بقلم | فؤاد السعدي

لم يعد من الممكن بيع الشعارات الفارغة للمواطن المغربي الذي يتابع بوعي ودقة ما يجري داخل المؤسسات الدستورية، حيث تكشف الممارسات التدبيرية اليومية عن واقع تتوارى فيه المبادئ السياسية جانبا بمجرد تقاسم الهياكل القيادية داخل مجلس النواب، حيث تتلاشى الفوارق بين الأغلبية والمعارضة لتقف جميع الأطراف على مائدة الامتيازات والمزايا المفتوحة.

وتتجلى خلفيات هذا المشهد في تفعيل حزمة تعويضات إضافية وامتيازات عينية لفائدة أعضاء مكتب مجلس النواب المنتخب حديثا، وهي التعويضات التي يتم إقرارها عبر مقررات داخلية يصدرها المكتب بعيدا عن النشر في الجريدة الرسمية ودون خضوعها لرقابة وزارة المالية القبلية، مستفيدة من مبدأ الاستقلالية المالية للمؤسسة. وتضمن هذه الحزمة مبالغ شهرية تكميلية لا تقل عن 7 آلاف درهم تضاف إلى التعويض النيابي الأصلي البالغ 36 ألف درهم، فضلا عن سيارات وظيفية، وبطاقات التزود المجاني بالوقود، وتغطية مصاريف التنقل والإقامة الكاملة في فنادق من فئة خمس نجوم، وتوفير مكاتب مجهزة وطواقم إدارية خاصة.

وأما التناقض الصارخ في هذا الوضع هو حين تتكشف هوية الأسماء المستفيدة من هذه الميزانيات، وفي مقدمتها قيادات لطالما ملأت الدنيا وشغلت الناس بالدفاع عن الشفافية ومحاربة الامتيازات، حيث يتصدر المشهد القيادي عبد الله بوانو، عن حزب العدالة والتنمية، الذي كان يخوض في كل مناسبة معارك إعلامية ضد تضارب المصالح والريع الحكومي، قبل أن يستقر بكل أريحية خلال الولاية التشريعية الحالية في منصب النائب الثالث لرئيس المجلس، متسلما مفاتيح السيارة الوظيفية وبطاقة الوقود والتعويض التكميلي السمين.

ولم تقف هذه المفارقة عند حدود هذا المنصب، بل امتدت لتشمل قيادات حزبية أخرى طالما نادت بترشيد المال العام وتطوير الأداء الرقابي، حيث يظهر محمد أوزين، عن الفريق الحركي، الذي يرفع دائما شعار الدفاع عن المناطق المهمشة والرقابة الصارمة، في موقع النائب الرابع للرئيس كأحد كبار المستفيدين من السخاء التنفيذي داخل المجلس. وعلى النحو ذاته، تنتقل القيادية آمنة ماء العينين، عن العدالة والتنمية، إلى موقع المحاسبة الأولى للمجلس إلى جانب هدى المغاري، لتتحول الخطابات التي كانت تدعو لتشديد الخناق على نفقات الدولة إلى ممارسة مباشرة تتولى الإشراف على إعداد وتنفيذ ميزانية برلمانية تمنح لرجالاتها امتيازات الإقامة الفندقية الفاخرة والتعويضات غير المنشورة.

ويتحرك هذا التوافق الجماعي تحت إدارة رئيس المجلس أحمد التويزي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، وبمعية بقية أعضاء المكتب المستفيدين بالتساوي من الأغلبية والمعارضة، وفي مقدمتهم مصطفى بايتاس بصفته النائب الأول، وخالد الشناق النائب الثاني، ومحمد ملال النائب الخامس، ومحمد جودار النائب السادس، إلى جانب مريم وحساة وعادل البيطار، وغيرهم من الأمناء.

وأمام هذا الانصهار بين الخطاب والممارسة، يطرح الشارع المغربي أسئلته الحارقة وهي، كيف يستقيم أن يخرج عبد الله بوانو أو محمد أوزين أو آمنة ماء العينين لتقديم دروس في الحكامة وترشيد النفقات، بينما يتمتعون شخصيا بامتيازات استثنائية تمول من الميزانية العامة، وما إذا كان “الريع” يصبح ممارسَة مبررة ومقبولة عندما يستفيد منه النواب في جلساتهم المغلقة، ويتحول إلى “فساد” فقط عندما يتعلق الأمر بالخصوم السياسيين.

وتخلص هذه الدينامية المتواصلة إلى إرسال رسالة صريحة للرأي العام مفادها أن شعارات تخليق الحياة السياسية التي تطلقها أحزاب المعارضة والأغلبية على حد سواء ليست سوى ظاهرة صوتية ينتهي مفعولها عند بوابة مكتب المجلس، حيث تتصافح الأيادي ويتم قبر الحديث عن الشفافية خلف أوراق المقررات الداخلية والتعويضات المفتوحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *