تصريح المنصوري الحكومي.. عندما تبخرت “مليون فرصة شغل” وتحول “الدعم المباشر” إلى أمل مؤجل حتى 2031

بقلم | فؤاد السعدي
لم يكن المعيار الحقيقي لنجاح التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان هو نبرة التفاؤل ولا البلاغة اللفظية التي كتب بها، بل مدى وفائه بالالتزامات الصارمة والأرقام الدقيقة التي خاض بها حزبها الاستحقاقات التشريعية الأخيرة. فالقراءة المتأنية للمستند الرسمي تؤكد وجود عملية تجميل سياسية تم خلالها تحويل التعهدات الرقمية الحاسمة إلى مجرد نوايا حسنة، وتم عبرها ترحيل المواعيد إلى المجهول، في هروب صريح من خطوط المساءلة والمحاسبة.
فقد تصدر ملف التشغيل العناوين العريضة للبرنامج الانتخابي بحلم إحداث مليون منصب شغل صاف بمعدل 200 ألف سنويا وخفض البطالة إلى 7%، غير أن هذا التعهد الجريء تداعى كورق التوت داخل التصريح الحكومي، ليستبدل فجأة ببرامج تدريبية وتدريبات مهنية لا تتعدى تكوين 100 ألف شاب سنويا وتمكين عدد مماثل من تجربة أولى.
إنه تراجع يختزل عمق الأزمة، خاصة أن الإحصائيات المضمنة في التصريح ذاته تعترف بفاجعة وجود 2.9 مليون شاب خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، وبلوغ بطالة الشباب بين 15 و24 سنة نسبة قياسية تبلغ 29.2%. وبالتالي فإيهام الرأي العام بأن التكوين يعادل خلق فرص الشغل الصافية هو التفاف مفضوح على الواقع، كون التكوين دون وجود نسيج اقتصادي قادر على استيعاب الخريجين ليس سوى ترحيل محبط لأزمة البطالة وضخ لدفعات جديدة من الشباب في شرايين اليأس والتذمر.
كما يتجلى المنطق ذاته في التعاطي مع الملفات الاجتماعية الحيوية من خلال آلية الترحيل لآخر الولاية، حيث إن الزيادة المرتقبة في الدعم الاجتماعي المباشر ليصل إلى 1000 درهم جرى تعليقها كجائزة مؤجلة إلى غاية أفق سنة 2031، دون وضع جدول زمني يوضح مراحل هذه الزيادة على مدى السنوات الخمس.
أما الحد الأدنى للمعاشات، والذي قيل للناخبين إنه سيرتفع إلى 3000 درهم بدءا من السنة الثانية، فقد تم تحويله بقدرة قادر في التصريح الرسمي إلى رفع تدريجي غائم لا يحمل تاريخا ولا ميزانية محددة، شأنه شأن وعد تعويض الأرامل بنسبة 100% من معاش الزوج المتوفى الذي سقط في فخ الضبابية الزمنية. وفيما يخص القدرة الشرائية وإصلاح الضريبة على الدخل، فقد مسحت الأرقام والنسب المقترحة كإعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم، وحلت محلها عبارات إنشائية فضفاضة من قبيل تحسين الدخل الصافي للأجراء.
أما الإشكال الأكثر إثارة للدهشة، فيكمن في التناقض الرياضي والمالي الصارخ للتصريح، فالبرنامج الانتخابي للحزب حدد بوضوح كلفة تعهداته بـ 350 مليار درهم، وحدد مصادرها في أثر النمو ومساهمة الجماعات وتجويد النفقات، لكن التصريح الحكومي بلع هذه الأرقام والتفاصيل المالية بالكامل، ممارسا رياضة التمني المالي.
فكيف تعتزم الحكومة بناء 100 ألف مسكن قروي بدعم مباشر، وتوسيع الرعاية الصحية، ورفع الدعم المباشر، وتعميم المساعدة الاستعجالية، بينما تلتزم في الوقت نفسه بضغط عجز الميزانية عند 3%، وحصر التضخم في 2%، وتقليص المديونية إلى 62% بحلول 2031؟ إنها معادلة تعجيزية تفتقر إلى أي سند واقعي، وتؤكد أن الأغلبية بنت فرضياتها على سيناريوهات متفائلة للنمو بنسبة 5% سنويا تتجاهل التقلبات المناخية والجيو-سياسية وضغوط السوق العالمية.
لقد انتقلت الحكومة عبر تصريحها من مرحلة التعهد السياسي الصارم المرتكز على المؤشرات الرقمية والآجال الملزمة، إلى مرحلة التهرب التكتيكي عبر الاعتماد على لغة عمومية خالية من الآليات الإجرائية القابلة للقياس.
اليوم تأكد من خلال تصريح بنت الصالحين أن تسويق النوايا بلا جداول تنفيذية وبلا أغلفة مالية مرصودة ليس سوى تجديد لربح الوقت وتغطية على عجز الأغلبية في ترجمة وعودها الانتخابية إلى واقع ملموس، بمعنى حين تغيب الأرقام والتواريخ عن البرنامج الحكومي، تصبح المساءلة البرلمانية والمحاسبة الشعبية مجرد تمارين شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع.