“عقدة الومغاري” وتكنولوجيا النافورات.. ​عندما يتحول “جهابذة الفيسبوك” إلى مهندسي مياه بمكناس

بقلم | فؤاد السعدي

من جديد، تندلع بمدينة مكناس قيامة رقمية يعلو فيها العويل والنباح، ويتحول فيها الجميع فجأة إلى خبراء مهندسين في التقييم المالي للهندسة المائية وحساب تكاليف الصفقات العمومية، والمناسبة هذه المرة هي التكلفة المالية المرصودة لإعادة بناء وتأهيل نافورتي “المسيرة” و”موريتانيا” بالمدينة ضمن الشطر الأول. وهو سيناريو متكرر ومجتر يتأسس على منطق ساخر ومثير للشفقة في الآن ذاته، يجسده المثل الشعبي “طلع تاكل الكرموس، هبط شكون قالها ليك”، فإذا استكانت المدينة للجمود وركدت مياهها، تعالت الأصوات المطالبة بإخراجها من العزلة والتهميش وجعلها تضاهي العواصم الكبرى كالرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش، وإذا ما بادرت رئاسة المجلس الجماعي إلى إطلاق مشاريع جمالية من الطراز العالي، استل جهابذة الفيسبوك سيوف التشكيك والتخوين بدعوى غلاء الأسعار والمطالبة بالأولويات.

غير أن الهروب نحو الأمام وإطلاق الأحكام العشوائية يتهاويان سريعا أمام صوت العقل الهندسي والتحليل التقني الرصين، حيث يحسم المهندس مراد الغربي خبير مختص في الهندسة المائية والأنظمة الاستعراضية هذا السجال بشكل قاطع مؤكدا أن ما يروج له البعض بكون المشروع مجرد “حوض إسمنتي ورشاشات مائية عادية” يكشف عن أمية تقنية صارخة لدى المنتقدين، مشيرا إلى أن المشروع يعتمد تكنولوجيا النافورات الموسيقية والراقصة المصنفة ضمن آخر صيحات الهندسة المائية والبرمجة الرقمية. ويكشف جدول الأسعار التفصيلي عن توظيف أجهزة تحكم متطورة من طراز “WECS III” ونظم تراسل رقمي “DMX/RDM”، إلى جانب أكثر من 130 مضخة غاطسة استعراضية متغيرة السرعات ومئات الكشافات المائية الملونة المبرمجة. ويضيف ذات المصدر أن مقارنة هذه الكلفة الإجمالية بالنظام التقني المتكامل للمشروع بالمشاريع المماثلة في مدن كالرباط، طنجة، والدار البيضاء، ومراكش، تؤكد أن السعر يندرج تماما ضمن السقف المالي المعياري والمألوف وطنيا ودوليا لهذه التكنولوجيا المستوردة والمقترنة بأسعار الجودة العالمية المقبولة.

وهذا المعطى الهندسي يؤكد أن المعاينة العميقة لموجة النباح والعويل الرقمي الأخير تكشف أن المشكلة لم تكن يوما في جدول الأسعار أو نوعية الرخام والزليج البلدي، بل في مرض مستفحل اسمه “عقدة الومغاري”، حيث أصبح اسم رئيس المجلس بالنسبة للبعض بمثابة قميص عثمان، يلهثون وراء رأسه بأي ثمن وتتأجج حفيظتهم ضد كل خطوة أو مبادرة، حتى لو تم إحضار نافورات “لاس فيغاس” نفسها إلى مكناس. إنها فئة لا تكلف نفسها عناء التقصي أو القراءة التقنية للوثائق والمعطيات المتوفرة، بل تسارع إلى العزف على نغمة المظلومية وصناعة البوز الرخيص، في مظهر صارخ للتجارة بعواطف المواطنين والجهل الصريح بآليات الصفقات العمومية.

غير أنه وفي مقابل هذه العدمية الساخرة، لا يمكن إعفاء المجلس الجماعي ورئاسته من تحمل جزء كبير من المسؤولية فيما يحدث، حيث يشكل عقم التواصل لدى الجماعة العشب الخصب الذي تنمو فيه الشائعات. فكيف يترك مشروع تقني وضخم بهذا الحجم لتسريبات الجدول التقديري للأسعار ليتداوله الرأي العام دون تقديم عرض صحفي وتواصلي مسبق؟ لقد كان حريا بالمجلس الجماعي إعداد شريط توضيحي وبلاغ رسمي يشرح من خلاله المفهوم التقني للمشروع، ويبرز للساكنة كيف ستتحول هذه المدارات إلى معالم استعراضية تليق بالتأهيل الحضري لمكناس. وبالتالي فتقاعس خلية الإعلام والتواصل بالجماعة، إن وجدت، عن القيام بدورها التنويري يترك الساحة فارغة لهواة التشويش وشعبوية المنشورات، ليصبح رئيس المجلس خاسرا لتشويق الإنجاز بسبب كسل المنظومة التواصلية المحيطة به.

وتبقى الحقيقة الثابتة هي أن مكناس تستحق أن تكون في مصاف المدن الكبرى بنشاطها وجماليتها وعصرنة مرافقها، ومبادرة التشييد من الطراز العالي خيار صائب هندسيا وجماليا وماليا بحسب أهل الاختصاص، بينما يظل للراغبين في إيقاف عجلة المدينة خيار الاستمرار في العويل، فالعين ترى والإنجاز يفرض نفسه في الميدان شريطة أن يستفيق المجلس الجماعي من غيبوبته التواصلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *