إعفاء وزيرة بعد 48 ساعة.. من يتحمل مسؤولية الثغرات في تقارير الاستوزار المرفوعة للملك؟

بقلم | فؤاد السعدي

تطرح واقعة إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ماديحة خيير، بعد ثمان وأربعين ساعة فقط من تعيينها الرسمي، جملة من التساؤلات العميقة حول آليات الانتقاء والتثبت المسبق من السير الذاتية للمرشحين لشغل المناصب الحكومية والسلم الإداري العالي. فإذا كان القرار قد استند دستوريا إلى أحكام الفصل السابع والأربعين بناء على طلب رئيسة الحكومة لتفادي أي مساس بهيبة الفريق الحكومي عقب موجة الجدل والتسريبات الرقمية التي أعقبت الاستوزار، فإن السرعة والصرامة اللتين طبعتا التعامل مع هذا الملف تعيدان إلى الأذهان إحدى أشهر حالات التراجع الاستعجالي عن القرارات الرسمية، والمتمثلة في قضية “دانييل غالفان” صيف عام ألفين وثلاثة عشر.

وعلى الرغم من الفارق الشاسع بين طبيعة الملفين، بين شق سياسي إداري يرتبط بشبهات قديمة وبين قضية جنائية هزت الرأي العام، فإن القاسم المشترك الأبرز بين الواقعتين يكمن في وجود اختلالات وسهو في مرحلة إعداد القوائم وفحص الملفات، يعقبه تدخل حاسم لتدارك الموقف وتصحيح المسار فور انكشاف معطيات كانت متوارية عن أنظار القائمين على التعيين.

وتعيد هذه الحالة إلى الواجهة إشكالية قانونية وفلسفية بالغة الحساسية، تكمن في التساؤل حول مدى صواب إعادة محاكمة الفرد سياسيا وإعلاميا على وقائع وأخطاء مفترضة مرت عليها أكثر من عقدين من الزمن وتعود إلى سنة ألفين وأربعة. فمن المنظور القانوني والحقوقي، جرى وضع قواعد السقوط بالتقادم وأحكام رد الاعتبار لتمنح الإنسان فرصة ثانية لإعادة بناء مساره المهني والسياسي والاندماج الكامل في المجتمع دون أن يظل رهينا لزلات الماضي. غير أن المنطق السيادي وإدارة المخاطر في العمل الحكومي يفرضان معايير مختلفة، حيث لا تتطلب مناصب المسؤولية السياسية سلامة السجل العدلي الحين فحسب، بل تستوجب حصانة مطلقة ضد أي ثغرات أو أوراق ضغط قد يستغلها الخصوم لإضعاف صورة الحكومة وإرباك أدائها المؤسساتي.

وفي سياق البحث عن مكامن الخلل، تتجه الأنظار مباشرة نحو أجهزة التدقيق والتفتيش والاستعلامات المنوط بها إعداد تقارير التثبت المسبق ووضع الصورة الكاملة والدقيقة أمام الجالس على العرش قبل التأشير النهائي على قائمة الاستوزار. فالمسؤولية هنا لا تقتصر على الهيئات السياسية والأحزاب المقترحة المطالبة بالتدقيق في ماضي كوادرها، بل تمتد بالقدر نفسه إلى المؤسسات والأجهزة المكلفة بالغربلة الأمنية والإدارية. فهذه الأجهزة مطالبة بالوصول إلى أبعد من السجلات القضائية الجارية لنبش كافة المعطيات والمطبات المحتملة، حتى القاطنة منها في أرشيفات الماضي، لتفادي وضع المؤسسة الملكية ورئاسة الحكومة في حرج سياسي وإعلامي عند ظهور تسريبات مفاجئة. ويبقى الدرس الأساسي من هذا الإعفاء القياسي متمثلا في ضرورة المراجعة الشاملة لميكانيزمات الانتقاء وتقارير الجاهزية السياسية والإدارية، ضمانا لحصانة القرارات العليا وصيانة لكرامة المرفق العام ضد مفاجآت التسريبات وتصفية الحسابات الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *