من يسرب أسرار طنجة للصحافة الإسبانية؟.. خلفيات النشر الإسباني التفصيلي في ملف عمدة طنجة السابق

تطرح التطورات المتسارعة التي أعقبت المتابعة القضائية لعمدة طنجة السابق، منير الليموري، على خلفية تحقيقات جارية ترتبط بالمسار الانتخابي بمدينة طنجة، جملة من التساؤلات المشروعة لدى الأوساط المتابعة والمهتمة بالشأن المحلي. فقد أثار النشر التفصيلي الصادر عن صحيفة “The Objective” الإسبانية، بشأن الادعاءات المتعلقة بوضعيته الصحية والسجنية، علامات استفهام حارقة حول كيفية خروج معطيات مفترضة من دائرة شحيحة للغاية تتصل بالمعتقل ومحيطه المباشر، لتجد طريقها سريعا إلى منصة إعلامية أجنبية معروفة بخطها التحريري الحاد تجاه القضايا الوطنية.

​ولم يعد سرا أن هذه الصحيفة الإسبانية تحولت، خلال الأشهر الأخيرة، إلى مصدر لعدد من وسائل الإعلام، حيث كانت سباقة لنشر تقارير حول العمدة، بدءا من تفاصيل متعلقة بتحركاته واستثماراته بإسبانيا، مرورا بملفات عمرانية، ووصولا إلى كواليس بعض الصفقات التجارية، وهو ما يضع المتابعين أمام واقع يتجاوز مجرد السبق الصحفي العادي.

​ويدفع العرض الدرامي الذي قدمته الصحيفة الإسبانية نحو التفكير في القنوات والوسائط التي يتم اعتمادها لنقل الأخبار والشائعات من داخل طنجة نحو وسائل إعلام أجنبية، لا سيما أن خطورة مثل هذه الادعاءات تكمن في إمكانية استغلالها لتقديم صورة غير دقيقة عن واقع المؤسسات السجنية الوطنية والدولة المغربية أمام المنظمات الدولية. وتتناسل في هذا السياق علامات استفهام حارقة حول ما إذا كانت تسريبات الصحيفة الإسبانية قد خرجت من الشباك الضيق للمحيط المباشر للملف أم عبر قنوات وتيسيرات أخرى. كما يثار التساؤل حول الحدود الفاصلة بين تدبير المعطيات اليومية وبين احتمال استغلال الشائعات بغرض صناعة أوراق ضغط خارجية. وهل نعيش بالفعل فصلا جديدا من فصول النشر الموجه العابر للحدود، أم أن الأمر يتعلق بتصفية حسابات محلية تستغل فيها المنافذ الخارجية لإرباك المساطر القضائية السارية.

​ولتفجير أبعاد هذا الحضور الإعلامي الأجنبي، نستحضر المساحة الاستقصائية التي باتت تحتلها الصحيفة في طنجة، حيث لم تتوقف عند متابعة الملف الحالي، بل أثبتت وصولا استثنائيا إلى وثائق من داخل مكاتب القنصلية الإسبانية بطنجة، كاشفة عن تقارير وتجاوزات في منح التأشيرات، فضلا عن تفجيرها لملف المستشار الإداري المعزول “خوان لوكاس غارسيا إسكوبار” والتراخيص المتعلقة بوعاء عقاري تابع للقنصلية.

​ولا ينفصل هذا الاستفهام الحالي عن مراجعة التراكمات المسجلة في السجل القنصلي والإعلامي بالمدينة، حيث يعيد هذا التسريب الأخير إلى الأذهان الوقائع الصاخبة التي شهدتها القنصلية العامة لإسبانيا بطنجة صيف سنة 2023 في ملف التأشيرات، حين جرى الإعفاء والتحريك المستعجل لبعض الموظفين الإسبان لتطويق الأزمة، وعلى رأسهم الموظف الإداري “خوان لوكاس”، في مرحلة شهدت نسج شبكة علاقات وتسهيلات إدارية بين عناصر قنصلية وفاعلين محليين بالمدينة.

​وهنا تتجدد الأسئلة الجوهرية التي تظل مفتوحة على كل الاحتمالات، هل انتهت امتدادات تلك الشبكة بسحب الموظف القنصلي “لوكاس” سنة 2023، أم أن قنوات الاتصال ظلت قائمة ونشطة في الخفاء؟ وهل أدت علاقات القرب السابقة بين بعض الفاعلين المحليين والموظفين الإسبان المعفيين إلى تشكيل قناة لتزويد الإعلام في مدريد بالمعطيات والكواليس؟

​فالتوقف عند هذه الملاحظات لا يستهدف إدانة طرف بعينه أو الجزم بوجود أفعال غير قانونية بالمعنى الجنائي، فالجزم بهذه المقتضيات يبقى اختصاصا أصيلا وحصريا للسلطات الأمنية والقضائية صاحبة الصلاحية والخبرة التقنية. لكن تجميع هذه الخيوط المتفرقة يجعل من الضروري تسليط الضوء على هذه التساؤلات، فهل نحن أمام مجرد تسريبات صحفية عفوية، أم أمام استغلال للمواقع والعلاقات لخدمة أجندات خارجية وتشويه المؤسسات؟ وإلى أي حد تسهم شبكات النفوذ التي تشكلت في ملفات سابقة في المساس بشرعية ومصداقية المساطر القضائية الوطنية؟ بانتظار ما ستسفر عنه الأبحاث والتحريات الكفيلة بصيانة المرفق العام وحماية السيادة الوطنية من أي تداخلات عابرة للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *