فضيحة بعاصمة البوغاز.. سحب ترخيص لقاء الحزب الاشتراكي الموحد بـ “تعليمات شفهية” يثير جدلا سياسيا وإداريا

طنجة – تعتبر واقعة منع الحزب الاشتراكي الموحد من تنظيم لقائه التنظيمي والتواصلي بعاصمة البوغاز سابقة خطيرة وسلوكا شاذا يعيد إلى الأذهان ممارسات التضييق والشطط الإداري التي ظن الجميع أنها اندثرت.

وفي تفاصيل هذا المشهد الذي يمزج بين الارتباك الإداري والتخوف السياسي، تعود أبعاد هذه الفضيحة الإدارية والسياسية إلى ما كشفه الأمين العام للحزب، جمال العسري، في تدوينة نارية استعرض فيها كواليس المخطط الذي حرمه، وهو ابن مدينة طنجة، من لقاء رفاقه ومناضليه داخل قاعة أحمد بوكماخ الجماعية، وهي القاعة عينها التي تمت إتاحتها وتوفيرها لسائر الهيئات السياسية الأخرى وقيادييها الوطنيين دون أدنى عرقلة.

ولفك شفرات هذا السلوك ومعرفة كيف تدار الأمور في الكواليس المغلقة، تتحدد تفاصيل هذه الممارسات السلطوية في تقديم الحزب الاشتراكي الموحد لطلب رسمي قصد استغلال القاعة الثقافية المذكورة، حيث حظي الطلب في بداية الأمر بقبول صريح ومباشر من طرف نائب رئيس جماعة طنجة، وهو قبول موثق بالصوت والصورة ولا يدع مجالا للشك حسب تدوينة العسري، لتسير الترتيبات بشكل طبيعي في اتجاه عقد اللقاء الموعود.

غير أن المشهد سرعان ما انقلب رأسا على عقب وفي ظروف تدعو للاستغراب، حيث لم تمض سوى لحظات معدودة على إعطاء الموافقة حتى تلقى نائب رئيس الجماعة مكالمة هاتفية حاسمة من أحد المعينين التابعين للإدارة الترابية، ليقوم إثرها بالاتصال المباشر بأحد قياديي الحزب الاشتراكي الموحد ويبلغه بالتراجع الكلي عن المنح والتراجع عن الترخيص، معللا قرار الإلغاء المفاجئ بالخضوع الصريح للتعليمات الفوقية، وهو ما يعكس السقوط المدوي لاستقلالية المجلس الجماعي المنتخب وخضوعه المطلق لسلطة الهاتف والأوامر الشفهية الصادرة عن الإدارة الترابية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا التضييق الممنهج عن المناخ السياسي المحتقن الذي تخوضه مدينة طنجة، التي أضحت تعرف اليوم في الأدبيات السياسية والإعلامية بمدينة “الصاك الانتخابي”، بالنظر إلى حجم التجاوزات والخروقات المدوية التي شهدتها الاستحقاقات الأخيرة والتي أدت إلى إيداع عمدة المدينة السجن رهن الاعتقال والتحقيق القضائي، حيث يدرك المعينون بالسلطة الترابية الذين يضعون أنفسهم فوق كل محاسبة، أن هذا اللقاء الحزبي ليس مجرد تجمع روتيني، بل سيكون منصة هجومية حادة يستغلها الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد لتقطير الشمع على الإدارة المحلية ومحاصرتها بمسؤوليتها في احتواء وتدبير الفضيحة الانتخابية بأقل الأضرار وتفادي كشف كواليسها أمام الرأي العام.

ومن هذا المنطلق، اختارت السلطة الخيار الأسهل عبر الجنوح نحو المنع الاستباقي ومحاولة كتم الصوت النقدي، وهو سلوك ينطوي على انزياح خطير عن سكة القانون والارتماء الكامل في أحضان منطق التعليمات، مما يضع المسؤولين الترابيين أمام أسئلة حارقة ومباشرة لا ترحم، كمن هي الجهة النافذة داخل الإدارة الترابية التي أسرعت بمهاتفة نائب العمدة لنسف قرار إداري مشروع وتعويضه بأوامر زجرية شفهية؟ ولماذا يثير حضور الحزب الاشتراكي الموحد وأمينه العام كل هذا الذعر والخوف لدى رجال السلطة بمدينة طنجة؟ وهل يتناهى إلى علم وزير الداخلية أن رجاله في الإدارة الترابية بعاصمة البوغاز يتجاوزون التشريعات الوطنية ويضربون مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بعرض الحائط ليحرموا حزبا قانونيا من قاعة عمومية؟ وهل تنضاف فضيحة المنع بالتعليمات إلى فضيحة الصاك الانتخابي لتكرس الانطباع بأن طنجة أصبحت تدار بالهاتف خارج نطاق دولة الحق والقانون؟

الأكيد أن هذا السلوك الإداري يعري زيف الخطابات المتعلقة بالتدبير الحر للجماعات الترابية والديمقراطية المحلية، ويؤكد أننا نعيش في ظل واقع يكرس الكيل بمكيالين، حيث يغدو مغرب المعينين فوق مغرب المنتخبين، وتستعلي فيه الأوامر الشفهية على القرارات الكتابية المعللة، في مشاهد لا نجد لها مثيلا حتى في أحلك فترات سنوات الجمر والرصاص.

وبالتالي فالإصرار على محاصرة النبض اليساري وإغلاق القاعات العمومية أمام اللقاءات المؤطرة قانونا لن يمسح عار الاختلالات الانتخابية ولن يعفي المسؤولين من طائلة المساءلة السياسية والشعبية، بل على العكس سيمنح الرأي العام دليلا إضافيا على أن الإدارة الترابية عندما تفلس في المواجهة السياسية والحجة القانونية، لا تجد أمامها سوى إغلاق الأبواب ومصادرة أبسط حقوق المواطنة والتعبير.

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *