إسقاط “المغرب الأخضر” من التصريح الحكومي اعتراف صريح بالفشل.. فهل تملك حكومة المنصوري الجرأة لفتح “دفاتر أخنوش” وتفعيل المحاسبة؟

يكشف التوافق السياسي والتدبيري الذي شهده كواليس صياغة التصريح الحكومي للولاية التشريعية الحالية عن واقعة مثيرة للريبة والتساؤل تثقل كاهل الشارع المغربي، خصوصا عندما اتفقت مكونات التحالف الحكومي الرباعي المكون من حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب التقدم والاشتراكية، برئاسة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، على المسح الكامل وإسقاط أي إشارة صريحة لمخططي “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر” من الوثيقة الرسمية للتصريح الحكومي المقدم أمام البرلمان، وقد جاء هذا الاستبعاد المقصود بطلب مباشر من قيادات حزبية داخل التحالف الحكومي الجديد، وتحديدا مباشرة بعد خروج حزب التجمع الوطني للأحرار إلى مقاعد المعارضة وفقدانه لحقيبة الفلاحة التي هيمن عليها وتولى إدارتها وتوجيه دفاتها لما يقارب عقدين من الزمن، وذلك بهدف واضح يتمثل في تسجيل تمايز سياسي مفضوح مع الحصيلة الفلاحية للولاية السابقة والهروب من تبعاتها الثقيلة على الاقتصاد والقدرة الشرائية للمواطنين.

ولم يتوقف هذا التبرؤ المكتوب والهروب التنظيمي عند حدود حذف التسميات والمصطلحات من الورقة الرسمية، بل امتد ليتضمن إدانات ضمنية صارخة للخيارات الفلاحية السابقة، حيث نص التصريح الحكومي صراحة على الانتقال الجذري والقطيعة مع سياسة الدعم المالي المباشر الظرفي لمستوردي الأغنام والأبقار الذي أثارت صفقاته جدلا واسعا واستنزف الملايين في الولاية المنقضية، معلنا التوجه نحو التحكم في عوامل الإنتاج، وإطلاق برنامج طموح للسيادة في البذور يرفع حصة البذور الوطنية المعتمدة من عشرين بالمئة إلى خمسين بالمئة خلال هذه الولاية، فضلا عن توجيه الدعم الحقيقي لإعادة تكوين القطيع الوطني عبر تيسير ولوج صغار الكسابة إلى السلالات عالية الإنتاجية ودعم السلالات المحلية وتقوية اليقظة الوبائية والصحية، بالموازاة مع الرضوخ للضغط الأغلبي لتقييد التصدير الفلاحي بعد تحميله المسؤولية المباشرة عن التهاب أسعار المواد الغذائية والخضروات في الأسواق الداخلية طيلة السنوات الماضية، وهو ما ترجم في النص النهائي بالتزام الحكومة بضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية بقواعد معلنة ومستقرة وضبط صادرات السلاسل الحساسة ومراجعة مخزون الحبوب وتأمين المخزونات، إلى جانب إصلاح مسالك اللحوم والأسماك وتقريب المنتج من المستهلك عبر إحداث شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق بدفتر تحملات موحد يقطع الطريق على المضاربين والوسطاء.

غير أن هذا التراجع المكتوب والمسح التنظيمي للمصطلحات يضع الأغلبية الحكومية الحالية أمام اختبار حقيقي ومباشر ومحرج يتصل بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث إن مسح اسمي المخططين والاعتراف الفعلي بآثارهما المدمرة على الغلاء واستنزاف الفرشة المائية وتبذير المال العام لصالح كبار المستوردين والشناقة ليس إنجازا سياسيا يحتفى به، بل هو وثيقة إدانة رسمية صريحة لسياسات عمومية صرفت عليها مئات المليارات من الميزانية العامة للدولة دون أن يجني منها المواطن البسيط سوى قفة فارغة وارتفاعا جنونيا في الأسعار.

وهنا يبرز السؤال الحقوقي والسياسي الأشد سخونة والأكثر إيلاما لهذه النخب، ألا يفترض أن يتبع هذا التخلي والاعتراف الضمني بالفشل فتح تحقيق شامل وكشف دقيق لاختلالات هذه البرامج ومحاسبة المسؤولين عنها؟ اليوم لا يمكن أن تقف المطالبة الشعبية أبدا عند حدود تغيير الألفاظ والصياغات البلاغية في التصريح الحكومي للهروب من التركة الفلاحية الثقيلة، بل يجب يتعدى ذلك إلى طرح التساؤل الحارق حول ما إذا كانت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري وأغلبيتها الرباعية تملك الشجاعة والجرأة السياسية اللازمة لفتح دفاتر وزارة الفلاحة طيلة فترة تدبير عزيز أخنوش لها، وإحالة ملفاتها وصفقات الدعم المليارية على المجلس الأعلى للحسابات والقضاء المالي لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.

اليوم الشارع المغربي يتساءل بمرارة كيف يعقل أن يتم الاكتفاء بالمسح اللفظي والتملص السياسي لمجرد انتقال الفاعل الرئيسي إلى مقاعد المعارضة، بينما يتم ترك الميزانيات الضخمة التي تم ضخها في استيراد المواشي وفي سلاسل التصدير العشوائي دون تفتيش أو مساءلة قانونية، وكأن أموال الشعب حقل تجارب لعابرين في السلطة. وما لم تقرن هذه الخطوات البرامجية بتشكيل لجان تقصي حقائق برلمانية لفتح الدفاتر المغلقة وإعادة تقييم الحصيلة الفلاحية بكل شفافية ومحاسبة كل من تسبب في تهريب الأرباح وتعميق جراح الغلاء، فإن إسقاط التسميات لن يكون سوى مسرحية سياسية مكشوفة لتغطية الفشل وتوزيع الأدوار، بعيدا كل البعد عن الإرادة الفعلية في إحداث قطيعة حقيقية مع عهد الريع وتخليق الحياة العامة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين المقهورين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *