الطاقات المتجددة في الخطاب الملكي.. رؤية استراتيجية لتحقيق السيادة الطاقية ودعامة لميثاق الاستثمار الجديد

شكلت التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب عيد العرش المجيد محطة مفصلية في مسار ترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية ودولية في مجال الانتقال الطاقي، بعدما أكد جلالة الملك محمد السادس على جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن الطاقي ورافعة جذب أساسية للصناعات الخالية من الكربون، موازاة مع بدء التنزيل الفعلي لـ “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر” والترخيص لمجموعته الأولى من المشاريع الكبرى.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الباحث في القانون العام، الدكتور عبد الواحد الخمال، أن الرؤية الملكية تضع الطاقة النظيفة في قلب المعادلة التي تجمع بين تحقيق السيادة الوطنية، وتعزيز التنافسية الصناعية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، معتبرا أن الطاقة النظيفة لم تعد خيارا بيئيا مجردا، بل تحولت إلى محدد رئيسي لقياس قدرة الدول على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية المستقبلية. وهو ما يعزز موقع المملكة في الدبلوماسية الاقتصادية الدولية، حيث يساهم توفير طاقة نظيفة وتنافسية في حماية الصادرات والمقاولات المغربية من قيود التضريب الكربوني الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي على الواردات، مما يمنح المنتج الوطني ميزة تفضيلية تنافسية في الأسواق الخارجية.
وتزامنا مع هذه الدينامية الوطنية، أُصدر للمؤلف مؤلفه العلمي الأول بعنوان “قانون الاستثمار والطاقات المتجددة: دراسة تحليلية في القانون المغربي”، والذي يسلط الضوء على الأبعاد القانونية والمؤسساتية لتنزيل المشروعات الكبرى، مشددا على أن نجاح عرض المغرب يظل مرهونا بوجود منظومة تشريعية مواءمة توفر الأمن القانوني للمستثمرين، وتنظم آليات الولوج إلى الوعاء العقاري وتسهل التمويل وتطوير البنيات التحتية، بما يضمن التوازن بين تحفيز الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية والموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار، يبرز تأمين الوعاء العقاري العمومي وتبسيط مساطر تخصيصه، خاصة في الأقاليم الجنوبية والجهات المستهدفة، كشرط حاسم لضمان السرعة والنجاعة في إنجاز هذه المشاريع الاستراتيجية.
وبالتالي فالشروع في إطلاق حزمة المشاريع الأولى للهيدروجين الأخضر يمثل انتقالا عمليا من مرحلة رسم الاستراتيجيات إلى مرحلة الميدان، مما يفتح آفاقا واعدة أمام الجامعة المغربية والفاعلين الاقتصاديين لتقييم ومواكبة التحولات التشريعية والبيئية التي سترافق نشوء هذه المنظومة الصناعية الواعدة. كما يشدد المتابعون على أهمية اقتران هذه التحولات بالعدالة المجالية، من خلال إشراك الجماعات الترابية والمجتمعات المحلية في العائد التنموي لهذه الاستثمارات الضخمة، لضمان ألا تقتصر ثمار الطاقة النظيفة على التصدير فقط، بل تمتد لتقليص الفوارق المجالية وتوفير مناصب شغل قارة للشباب.