ما بعد اقتراع 23 شتنبر.. الحكومة المقبلة أمام مواجهة مباشرة مع الشارع لترميم الثقة وإحداث الأثر الملموس

تتجه أنظار المغاربة، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر الجاري، نحو سؤال جوهري يتجاوز مجرد التفاصيل التقنية للعملية الانتخابية وهوية الأحزاب المتنافسة، ليتطرق إلى ما هو أعمق وأكثر إلحاحا وهو ماذا ستفعل الحكومة المقبلة فعليا، ومنذ يومها الأول، لترميم علاقة متصدعة مع المواطن؟ خصوصا أن هذه الإنتخابات تأتي في  ظرفية خاصة ومزدوجة، اجتماعية وسيادية، حيث سبقتها موجة احتجاجات شبابية واسعة تحت مسمى “جيل زد” هزت الرأي العام، احتجاجا على تردي الخدمات الصحية ووقوع وفيات داخل بعض المستشفيات العمومية، إلى جانب تفجر أزمة سبتة الأخيرة التي أعادت النقاش حول مدى قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة للأزمات. هذا السياق المزدوج يضع الحكومة القادمة أمام اختبار مضاعف يقتضي استعادة ثقة شارع غاضب، وإثبات الكفاءة في ملفات استراتيجية كبرى كالتحضير لكأس العالم 2030 وتنزيل مخطط الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.
وهناك إجماع على أن قطاع الصحة يتصدر لائحة الأولويات المطلقة، ليس فقط لكونه الأكثر حضوراً في مطالب المحتجين، بل لأنه بات يمس مباشرة الشعور بالأمان الأساسي للمواطن. ولذلك، فإن أول اختبار حقيقي للحكومة المقبلة سيكون قدرتها على تقديم جواب سريع وملموس بخصوص واقع المستشفيات العمومية، عبر تسريع توظيف الأطر الطبية وشبه الطبية، وضمان توفر الأدوية الأساسية والمعدات التجهيزية، إضافة إلى فتح تحقيقات شفافة في حالات الوفاة المرتبطة بسوء التدبير الاستشفائي لإعادة الطمأنينة للمرتفقين. ولا يقل ملف التعليم إلحاحا عن الصحة، خصوصا بعد نتائج اختبار “بيزا” الدولي الأخيرة التي كشفت تراجعا مقلقا في مكتسبات التلاميذ المغاربة الأساسية، حيث تنتظر الأسر التزاما واضحا بمعايير تقييم قابلة للقياس تحسن مستوى التعلم داخل الفصول الدراسية بدلا من الاكتفاء بإعلان برامج متتالية دون نتائج ملموسة.
بالتوازي مع التعليم والصحة، يشكل ملف الشغل، خصوصا في صفوف الشباب، أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في الشارع، مقترنا بتراجع القدرة الشرائية الذي طال شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة. وتفرض هذه المعطيات التعجيل بإجراءات ملموسة لدعم القدرة الشرائية والتحكم في أسعار المواد الأساسية، ووضع حد لظاهرة تصدير المنتجات الفلاحية الاستراتيجية قبل تغطية حاجيات السوق الداخلية، مع معالجة الإشكاليات الصامتة كارتفاع أسعار السكن وأزمات النقل الحضري لتفادي تراكم الغضب الشعبي. إلى جانب ذلك، يبقى المطلب الأكثر تكرارا في النقاش العمومي الحالي هو الشفافية في تدبير المال العام والمحاسبة الفعلية عند التقصير، حيث عبر عدد من المواطنين خلال المحطات الاحتجاجية عن مطلب واضح ينادي بنشر تقارير مالية دورية وفتح ميزانية الصحة وتفصيل أوجه إنفاقها، لإثبات أن أزمة الثقة لا تتعلق بغياب الموارد فقط بل بطريقة تدبيرها.
تتكثف صعوبة المعادلة أمام الجهاز التنفيذي القادم في ضرورة الجمع بين الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية الآنية، والوفاء بالالتزامات الاستراتيجية بعيدة المدى، من قبيل التحضير الجيد لاستضافة كأس العالم 2030 وتعزيز المكاسب الدبلوماسية في ملف الصحراء، دون أن يترجم ذلك إلى إهمال للشأن اليومي للمواطن. ويخلص المتابعون إلى أن تقييم الحكومة المقبلة لن يتوقف عند حدود الوعود المُعلنة في أيامها الأولى، بل بمدى تحقق نتائج أولية ميدانيا تمس حياة المواطن العادي، من مستشفى يعمل بكفاءة، ومدرسة تضمن تحسنا حقيقيا، بأسعار تحت السيطرة، وخطوة شفافية واحدة تعيد بناء الثقة المفقودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *