مستشار “البيجيدي” بمكناس يسقط في المحظور ويورط نفسه بتصريحات خطيرة حول صفقة النافورات

مكناس – لم تكن التطورات السياسية الأخيرة بمجلس جماعة مكناس مجرد سجال عابر بين الرئيس والمعارضة، بل كشفت عن تناقضات تستحق التوقف عندها، خصوصا بعدما وجد المستشار محمد أشكود نفسه أمام معطيات واردة في وثائق المجلس الجماعي تطرح علامات استفهام حول تصريحاته الأخيرة بشأن مشروع النافورات.
فبعدما تحدث أشكود، عبر منصة رقمية، عن عدم علمه ببرمجة هذا المشروع، ذهب أبعد من ذلك بإثارة مسألة معرفته المسبقة بالشركة التي ستفوز بالصفقة قبل فتح الأظرفة. تصريحان مختلفان في طبيعتهما، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة وهي ضرورة تقديم توضيحات دقيقة، لأن الأمر يتعلق بتدبير المال العام وبمصداقية مساطر الصفقات العمومية.
وبالعودة إلى محضر دورة فبراير 2026، نجد أن المجلس الجماعي صادق على فتح اعتمادات إضافية من فائض الميزانية بقيمة إجمالية بلغت 57.626.243,55 درهما، ضمنها اعتماد مالي بقيمة 18.700.000 درهم مخصص لأشغال التهيئة والأشغال الكبرى المتعلقة بالنافورات والحدائق العمومية، بما في ذلك الدراسات والتتبع والمراقبة.
والأكثر إثارة للانتباه أن أشكود لم يكتف بالتصريح بعدم علمه بالصفقة، بل ذهب إلى الحديث عن معرفته المسبقة بالشركة التي ستفوز بها قبل فتح الأظرفة. وهنا يبرز تناقض واضح يستدعي التوضيح وهو، كيف يمكن لمستشار يعلن جهله بالصفقة أن يتحدث في الوقت نفسه عن معرفة مسبقة بهوية الشركة التي ستتولى تنفيذها؟ هذا التصريح يضع صاحبه أمام سؤال جوهري حول مصدر هذه المعلومة وأساسها، ويجعل من الضروري التحقق من مدى صحتها، خاصة أن الأمر يتعلق بمسطرة عمومية يفترض أن تحكمها قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص.
وتزداد المفارقة وضوحا حين نستحضر أن أشكود سبق أن ترأس اللجنة المالية خلال الولاية السابقة في عهد عبد الله بوانو. فمن كان في نفس هذا الموقع يفترض فيه التدقيق في الأرقام ومراقبة الاعتمادات المالية، يصعب عليه اليوم الاحتماء بالغموض حين يتعلق الأمر ببرمجة مالية صادق عليها المجلس. ويبدو أن الأرقام التي كانت يوما مجالا لاختصاصه أصبحت اليوم تضع تصريحاته أمام امتحان صعب، فالمحاضر لا تتأثر بتبدل المواقع السياسية، ولا تجامل من كان بالأمس أمينا على مناقشة مالية الجماعة.
لكن الأخطر في هذه الخرجة ليس مجرد التناقض المتعلق بالبرمجة المالية، بل خطورة التصريح الذي تحدث فيه أشكود عن معرفته المسبقة بالشركة التي ستفوز بالصفقة قبل فتح الأظرفة. فمثل هذا الكلام لا يستهدف، في دلالته، رئيس الجماعة وحده، بل يمتد أثره إلى التشكيك في سلامة سلسلة كاملة من المؤسسات والآليات التي تتولى تدبير الصفقات العمومية ومراقبتها، بدءا من منظومة التدبير المندمج للنفقات (GID)، مرورا بالبوابة الوطنية للصفقات العمومية، وصولا إلى المصالح الإدارية والجهات المكلفة بالمراقبة والتأشير، بما فيها الخازن الإقليمي. والخطورة هنا أن إطلاق تصريح بهذا الحجم دون تحديد مصدر المعلومة أو تقديم ما يسندها يزرع الشك في مؤسسات الدولة، ويضرب ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في آليات يفترض أن تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص. لذلك، فإن الأمر لم يعد يحتمل الاكتفاء بسجال سياسي أو تبادل الاتهامات، بل يستدعي تحريك مسطرة تحقق مؤسساتية لتحديد الأساس الذي استند إليه هذا التصريح، وفحص مدى وجود أي تسريب أو إخلال محتمل، وتحديد المسؤوليات إن ثبتت مخالفات. فإما أن تكون هناك وقائع تستوجب المساءلة، وإما أن يكون التصريح قد ألقى بظلال الشبهة على مؤسسات عمومية دون أساس، وفي الحالتين فإن ترك الأمر دون توضيح لا يخدم ثقة المواطنين في المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس الدخول في سجال حول من أصاب ومن أخطأ، بل الانتقال إلى التحقق المؤسساتي المسؤول، عبر فحص مسطرة الصفقة والوثائق المرتبطة بها، وتحديد ما إذا كانت هناك بالفعل معلومات قد وصلت إلى أي طرف قبل فتح الأظرفة، وكيف حدث ذلك، وما إذا كان الأمر ينطوي على إخلال بالقواعد المنظمة للصفقات العمومية. كما ينبغي الوقوف على الأساس الذي استند إليه أشكود في تصريحه، لأن المساءلة لا يمكن أن تقتصر على احتمال وجود اختلال داخل الإدارة، بل يجب أن تشمل أيضا مسؤولية إطلاق تصريحات من شأنها وضع مؤسسات الدولة وآلياتها الرقابية موضع شبهة. على اعتبار أن الغاية هنا ليست حماية طرف سياسي أو مؤسساتي من المساءلة، وإنما الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات، بما يحفظ المال العام.
وبالتالي لا ينبغي تحريك مسطرة التحقق في هذه القضية أن يفهم باعتباره انحيازا للرئيس ضد المعارضة، ولا محاولة للدفاع عنه، وإنما باعتباره ضرورة تفرضها خطورة التصريح وتداعياته على الثقة في المؤسسات. فلا أحد فوق المساءلة، ولا يجوز التساهل مع أي احتمال لوجود اختلال في صفقة عمومية، لكن في المقابل لا يمكن ترك مؤسسات الدولة وآلياتها الرقابية عرضة للتشكيك دون الوقوف على حقيقة ما قيل. المطلوب إذن هو كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات بناء على الوقائع والوثائق، حتى لا تتحول الاتهامات الخطيرة إلى مجرد أوراق في لعبة التجاذبات السياسية.
وعلى المستوى السياسي، تعيد هذه الواقعة طرح سؤال الانسجام بين مواقف منتخبي حزب العدالة والتنمية بمكناس داخل المؤسسات وخطابهم الموجه إلى الرأي العام. فالمعارضة حق مشروع، بل ضرورة لتجويد التدبير ومراقبة المال العام، غير أن ممارستها تقتضي الدقة والمسؤولية، خصوصا عندما يتعلق الأمر باتهامات تمس مؤسسات وطنية وآليات تدبير الصفقات العمومية. ولا يستقيم أن تكون المحاضر مرجعا حين تخدم موقفا سياسيا، ثم يجري تجاهل مضامينها حين تطرح أسئلة محرجة حول مواقف أصحابها.
أما محمد أشكود، فإن مسؤوليته السابقة على رأس اللجنة المالية خلال ولاية عبد الله بوانو تجعل تصريحاته الحالية أكثر استدعاء للمساءلة السياسية والإعلامية. فمن تولى مسؤولية التدقيق في مالية الجماعة ومناقشة أرقامها واعتماداتها، يفترض أن يكون أكثر إدراكا لخطورة التصريحات المرتبطة بالمال العام. واليوم، بعدما أظهر محضر دورة فبراير تصويته على البرمجة المالية التي تتضمن مشروع النافورات، أصبح مطالبا بتوضيح موقفه من هذه المفارقة، كما أن حديثه عن معرفة مسبقة بالشركة الفائزة يفرض عليه توضيح الأساس الذي استند إليه، حتى تتمكن الجهات المختصة من التحقق من حقيقة ما أثاره، لأن المسؤولية هنا لا تتعلق فقط بما صوت عليه بالأمس، وإنما أيضا بما يعلنه اليوم وما قد يترتب عنه من تشكيك في مؤسسات الدولة.
اليوم مكناس لا تحتاج إلى مزيد من السجال الذي يستهلك الزمن السياسي ويترك الأسئلة الحقيقية معلقة، بل تحتاج إلى وثائق واضحة، وتحقيق مؤسساتي جاد، ومحاسبة لا تستثني أحدا. فحماية المال العام تقتضي كشف أي اختلال محتمل، وحماية الثقة في مؤسسات الدولة تقتضي أيضا التثبت من كل اتهام يمس مصداقيتها. وبين الأمرين، تبقى الحقيقة وحدها هي الفيصل.