المشاركة المكثفة في الانتخابات.. الخيار الوحيد لإعادة الاعتبار السياسي والتنموي لمكناس

بقلم | فؤاد السعدي
تتجه الأنظار اليوم صوب العاصمة الإسماعيلية التي تقف على أعتاب لحظة فارقة تشخص فيها أبصار المشهد السياسي الوطني نحو قلاعها التاريخية. ولعل هذا الإنزال الحزبي المكثف، وتوافد قادة الهيئات السياسية الوطنية لنزول الميدان بدائرة مكناس استمالة لأصوات ساكنتها، يسقط دفعة واحدة كل القراءات الهامشية، ويثبت بالملموس أن مكناس تشكل اليوم مركز ثقل سياسي يعيد ترتيب التوازنات على الخريطة الوطنية.
هذه الرمزية الاستثنائية تضع الجميع أمام مفارقة تدعو للتأمل، ففي الوقت الذي يرى زعماء الأحزاب في الصوت المكناسي ثقلا انتظاميا يقلب الموازين، يتعامل معه البعض محليا بمنطق العزوف والتقليل من قيمته. وبين هذا الرأي والرأي الآخر تبقى المشاركة الواعية المكثفة كفيلة بتحويل هذا الاستحقاق إلى مكسب مضاعف يتمثل أوله في الاستجابة لنداء الوطن عبر ملء صناديق الاقتراع، وثانيه يتجلى في اقتطاع حق المدينة عبر فرز النخب الأجدر بعيدا عن الحسابات الحزبية الضيقة.
واستحضارا لهذا الثقل التاريخي، يطرح السؤال نفسه تلقائيا حول كيفية تأخر مدينة عريقة، بذل أبناؤها الغالي والنفيس في كل المحطات الوطنية، عن تلبية الواجب يوم الاقتراع. يضع هذا المعطى أبناء مكناس اليوم أمام اختبار حقيقي للمواطنة الفاعلة، ذلك أن الدينامية التنموية والالتفاتة الحكومية الحالية تعكس إدراك دوائر القرار لقيمة هذه الحاضرة. غير أن هذا الاهتمام المركزي يظل مشروطا باحتضان شعبي يزكيه من خلال هبة جماهيرية لأهلها تعيد فرض هيبة مدينتهم واقتطاع مكانتها المستحقة.
ومن ثم، فإن الرهان على التغيير يتطلب تفكيك وهم المقاطعة، على اعتبار أن الفراغ في السياسة لا يدوم، وأن الكرسي الذي يتركه المواطن الواعي لا يبقى شاغرا، بل يشغله فورا من لا يستحق بأصوات شبكات المصالح.
وهنا يتضح، أن الانسحاب من الساحة لا يعاقب المتقاعسين فقط، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام قوى الريع وسماسرة الانتخابات لتسيد المشهد، مثلما يشكل ترك صناديق الاقتراع فارغة تقديم هدية مجانية لمن اعتادوا التكسب بالمال السياسي والاتجار بأصوات المواطنين على حساب التنمية المحلية.
وبالمقابل، فإن التصويت المكثف يجسد أرقى أشكال المحاسبة السياسية، والوسيلة الأنجع لفك ارتهان المدينة لسماسرة الانتخابات، كون ارتفاع نسبة المشاركة يرفع العتبة الحسابية للفوز ويجعل شراء الذمم عملية مستحيلة. بمعنى، عندما تتجند الساكنة وتنزل بكثافة، فإنها تسقط معادلة المقاعد الآمنة وتتضاعف كلفة التحكم في نتائج الاقتراع، وهو ما يفرز واقعا جديدا يعيد رسم موازين القوى لصالح النزاهة والكفاءة.
ومن الشأن نفسه، فإن هذا التجند الميداني يستدعي إعادة الاعتبار للهيبة السياسية لمكناس على الخريطة الوطنية، بمعنى أن المركز الإداري والمالي يتعامل مع الحواضر بفيض من الاحترام كلما أثبتت وزنها الانتخابي وقوتها التمثيلية. والمدن التي تسجل نسب مشاركة مرتفعة تفرض نفسها على الأجندة الحكومية وتقتطع حصتها المستحقة من الاستثمارات والمشاريع الكبرى، بينما يدفع العزوف بالمدينة نحو تصنيفها ضمن الهوامش الفاقدة لأوراق الضغط والتأثير.
وبالتالي وتأسيسا على ما سبق، يغدو التوجه بكثافة نحو صناديق الاقتراع متجاوزا مجرد ممارسة حق دستوري كلاسيكي، ليتحول إلى أداة قطع حاسمة مع سنوات التهميش والجمود، وإعلانا بتدشين عقد اجتماعي جديد يتناول فيه الناخب دور الشريك والمحاسب طيلة الولاية الانتدابية. كما أن المشاركة الواعية والمسؤولة تبقى هي الرد الميداني الوحيد القادر على حماية العاصمة الإسماعيلية، والرسالة الأقوى التي يبعث بها أهل مكناس ليتأكد للجميع أنهم أهل وفاء وتحد، وأن الانطلاقة الحقيقية لمدينتهم تبدأ من داخل الصناديق بصوت واحد: “لبيك يا وطن، لبيك يا مكناس”.