هل تنهي الرعاية الملكية لمهرجان عيساوة بمكناس وصاية “الجهة” وتحصن الموروث الصوفي من الاستغلال الانتخابي؟

المستقل | مكناس
تدخل العاصمة الإسماعيلية مكناس، في الفترة الممتدة من الثاني والعشرين إلى الخامس والعشرين من يوليوز الجاري، منعطفا تنظيما وفنيا استثنائيا مع انطلاق الدورة الجديدة لمهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات دولية، وهي المحطة التي تتجاوز قيمتها الفنية لتسجل تحولا تدبيريا حاسما بعد تشرف التظاهرة بالحصول على الرعاية الملكية السامية.
ويضع هذا المتغير الرمزي الكبير جمعية مكناس للثقافات أمام مسؤولية تنظيمية كاملة ومستقلة، تفرض قطعا راديكاليا مع النمط التسييري للدورات السابقة، حيث كان مجلس جهة فاس مكناس يبسط وصايته المباشرة على تفاصيل البرمجة الفنية واختيار المشاركين، مخلفا نوعا من الارتباك وتداخل الاختصاصات التي اختزلت دور الجمعية في الشق التنفيذي واللوجستيكي الصرف. لكن اليوم وبموجب القواعد الجديدة والأعراف الصارمة التي تصاحب الرعاية السامية، أصبح لزاما على مسؤولي مجلس الجهة التوقف الفوري عن أي تدخل في القرارات الفنية أو إبرام التعاقدات الموازية، والقبول بتموقعهم الجديد كمؤسسة مساهمة وشريكة مالية فقط، على قدم المساواة مع باقي الشركاء المحليين مثل عمالة مكناس، ومجلس عمالة مكناس، وجماعة مكناس، وجماعة المشور الستينية، دون ميزة تفاضلية تمنحهم حق الوصاية.
ولا تتوقف أهمية هذا التحول عند حدود تصحيح المسار الإداري داخل كواليس التسيير، بل تمتد لتشكل تحذيرا صريحا من مغبة السقوط في فخ التوظيف السياسي أو المزايدات الحزبية، خاصة مع تزامن تنظيم المهرجان مع فترة الحراك الانتخابي التي تزيد من نهم بعض الأطراف لاستغلال المنصات الجماهيرية.
هذا ويسعى الشارع المكناسي المهتم بالشأن الثقافي بالمدينة إلى تفادي أخطاء الدورة الماضية، التي شهدت محاولات واضحة للركوب السياسي واعتلاء المنصة لتلميع الصورة الانتخابية لرئيس الجهة، وهو السلوك الذي يندرج اليوم ضمن الخطوط الحمراء التي لا تقبل المهادنة؛ حيث إن اقتران الحدث بالرعاية الملكية يمنحه حصانة معنوية كاملة تخرجه من دائرة الصراعات الحزبية الضيقة، وتحوله إلى ملك جماعي يجسد الموروث الروحي والوطني الخالص، بعيدا عن كواليس استقطاب الأصوات واستغلال النفوذ. يضاف إلى ذلك أن المهرجان يحمل هذا العام أبعادا اقتصادية وتنموية حيوية للمدينة، حيث يساهم في إنعاش الحركية السياحية بالفنادق ودور الضيافة والمطاعم، ويدعم قطاع الصناعة التقليدية والشباب المشتغلين في المهن المرتبطة بالتنظيم، مما يجعل من تبديد هذه الجهود في صراعات سياسوية ضيقة هدرا حقيقيا لفرص تنمية الحاضرة الإسماعيلية.
وأمام هذه المسؤولية الجسيمة، بات مسؤولو جمعية مكناس للثقافات مطالبين بإظهار أعلى درجات الحزم والمسؤولية لحماية استقلالية قرارهم، والوقوف سدا منيعا ضد أي استغلال للمال العام المرصود للثقافة في الدعاية الحزبية، مع التركيز على صون الهوية الفنية والصوفية العريقة للطريقة العيساوية من أي ابتذال أو تشويه.
اليوم تتجه الأنظار في هذه الدورة إلى جودة المحتوى الفني ومستوى الانفتاح الدولي عبر استضافة فرق تراثية عالمية تبرز قيم التسامح والتعايش، مما يستدعي من الإدارة الفنية للجمعية تقديم برمجة ترقى لتطلعات الجمهور المكناسي العاشق لهذا الفن، وتثبت في الآن ذاته جدارة الفاعل الجمعوي المحلي بالثقة المولوية. وتشكل محطة يوليوز الحالية محكا حقيقيا لمدى قدرة الجمعية على فرض سلطتها التدبيرية، وتحرير العمل الثقافي بالمدينة من التبعية الإدارية والسياسية، لتقديم تظاهرة دولية رائدة تليق بالقيمة التاريخية والروحية للعاصمة الإسماعيلية وتعكس هيبة الثقافة المغربية في أبهى تجلياتها.