عصام الطالبي.. الدولة تتحمل عبء أخطاء السياسيين والأحزاب تحولت إلى “وكالات انتخابية”

سلط المحامي بهيئة طنجة والفاعل السياسي، عصام الطالبي، الضوء على جملة من الاختلالات البنيوية العميقة التي تشهدها الحياة الحزبية والسياسية في المغرب، معتبرا أن توالي الأزمات وتكرار الإخفاقات كشفا عن تراجع حاد في أداء الأحزاب الوطنية واستقالتها الضمنية من أدوارها الدستورية، مما جعل الدولة والمؤسسة الملكية تحلان محل الوسائط السياسية المفقودة وتحملان عبء أخطاء السياسيين. وارتبط هذا التشخيص بحالة الإحباط المجتمعي والغياب الموسمي للأحزاب التي تحول معظمها إلى مجرد وكالات انتخابية ينحصر نشاطها في معارك المقاعد والتزكيات قبيل المواعيد الانتخابية، بدلا من القيام بمهام التنشيط والتأطير والاستماع لنبض الشارع في الأحياء والقرى والمساهمة في بناء وعي سياسي مسؤول.
وأشار الطالبي إلى أن أحزاب الأغلبية والمعارضة أضحت في وعي شرائح واسعة من المواطنين شريكة في إنتاج الوضع ذاته ومجرد وجهين لعملة سياسية واحدة، حيث يقتصر دور الأغلبية على تبرير الحصيلة ونفي الاختلالات، بينما تنكفئ المعارضة على رفع السقف والتنديد دون تقديم بدائل واقعية، ليتبادل الطرفان المواقع والخطابات فور تغير الخريطة الانتخابية، وكأن المواقف مرتبطة بالوصول إلى المناصب أكثر من ارتباطها بقناعات ومبادئ ثابتة. وقد أدى هذا السلوك المتكرر إلى تراكم أزمة ثقة عميقة المدى، دفع المواطنين -عند عجز الوسطاء المحليين والمنتخبين عن معالجة المشاكل اليومية المتعلقة بالماء والصحة والكهرباء والخدمات الإدارية والنزاعات القضائية- إلى رفع مناشداتهم واستغاثاتهم بشكل مباشر إلى السدة العالية بالله، وهو وضع يحمل إدانة صريحة لكافة المؤسسات والنيابات الهشة التي تحيط بالمواطن والتي يفترض فيها حل مشاكل الناس في مستوياتها الطبيعية.
وفي قراءة لأزمة سبتة الأخيرة، نبه المحامي بهيئة طنجة والفاعل السياسي إلى أن مشاهد اندفاع الشباب والراغبين في الهجرة غير النظامية تتجاوز البعد الأمني المحض أو التأثيرات المباشرة لشبكات التواصل الاجتماعي، لتطرح سؤالا سياسيا واجتماعيا حارقا حول الانسداد التنموي وغياب الآفاق الذي يجعل الفئات الشابة ترى مستقبلها في الضفة الأخرى. وكان يفترض بالجهة الحزبية أن تلعب دور “المصد السياسي والاجتماعي” (Pare-choc) لامتصاص الصدمات قبل وصولها إلى مركز الدولة، عبر النزول الميداني للقيادات والحوار المباشر مع العاطلين والطلبة وأصحاب المقاولات ونقل مطالبهم وصياغتها في تشريعات وسياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
غير أن هذه الأدوار التنظيمية اصطدمت بأعطاب عملية إعداد النخب ومنطق التزكيات داخل التنظيمات الحزبية نفسها، ففي الوقت الذي يرفع فيه شعار تخليق الحياة العامة وتجديد الدماء وربط المسؤولية بالمحاسبة، تفتح الأبواب على مصراعيها عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لأصحاب النفوذ المالي و”أصحاب الشكارة” والأعيان على حساب الكفاءات الشابة والمثقفة، مما ينتج نخبا تستهلك المال العام وتفتقر للمصداقية والشعبية وتكرس تدوير الوجوه ذاتها التي كانت سببا في فقدان الثقة اصالةً.
ويحمل استمرار هذا الهوان الحزبي المؤسسة الملكية، التي تعد الضامن الأساسي لاستقرار البلاد واستمراريتها والمؤسسة الأكثر حضورا في الوعي الجمعي، أعباء وتنفيذيات يومية مفروض أن تتكفل بها الحكومة والمنتخبون في المستويات المحلية والجهوية. فالأمر لا يتعلق بإضعاف الأحزاب، بل بالدفع نحو بناء أحزاب مسؤولة وقوية قادرة على إنتاج السياسات والقيام بوظائفها التشريعية والرقابية. ويظل التحدي اليوم متمثلا في إعادة الاعتبار للسياسة كممارسة أخلاقية وبناء مؤسسات وسيطة تمتلك الجرأة والمصداقية لتأطير المواطنين وتحمل المسؤولية، لأن أخطر ما يهدد السلم الاجتماعي ليس فقط وجود غضب شعبي، بل وصول المجتمع إلى مرحلة الكفر بالعمل السياسي واليأس الكامل من جدوى وسائطه، وهو ما يجعل اللجوء المستمر للملكية كملجأ أخير ليس شهادة نجاح للأحزاب، بل حكما سياسيا قاسيا بامتياز على فشلها الذريع.