تصريحات المهاجري تفتح “العلبة السوداء” لوزارة الفلاحة وتضع هيمنة الأحرار في الميزان

شكلت التصريحات الأخيرة للقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، هشام المهاجري، رمية حاسمة في قلب التوازنات السياسية، بعدما طالب بشكل صريح بفتح ملفات تدبير وزارة الفلاحة والصيد البحري التي ظل حزب التجمع الوطني للأحرار ممسكا بمقاليدها لما يقارب عقدين من الزمن.
ويحمل حديث المهاجري بنبرة حادة وتساءله العريض “بغينا نعرفو شنو واقع تما”، قراءة سياسية تجاوزت حدود التفاوض التقليدي على الحقائب الوزارية إلى محاولة حقيقية لفك الارتباط بين “الأحرار” ومعقلهم التنفيذي والمالي الأول. كما تفتح هذه الخطوة الجريئة باب التساؤل العريض وما هي الحصيلة الحقيقية لشبه الاحتكار الإداري والتنفيذي الذي شهده هذا القطاع الحيوي طيلة عقدين من الزمن؟ وهل نحن أمام رغبة سياسية جادة في المحاسبة وتطهير الحكامة القطاعية، أم مجرد زوبعة في فنجان لرفع سقف التفاوض وحجز المقاعد الوازنة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري؟
اخراج المهاجري النقاش من كواليس الغرف المغلقة إلى العلن، مفاجئاً الشريك السياسي بمطالبة إدارية وسياسية تقضي بافتحاص نتائج ومخرجات المخططات الكبرى كمخططي “المخطط الأخضر” و”جيل الأخضر”. وتستهدف هذه الخطوة تجريد التجمع الوطني للأحرار من ورقة التكنوقراطية المكتملة والسيطرة على صناعة القرار الاقتصادي والفلاحي الأول في البلاد، وضعا هذا الرصيد في موضع مساجلة ومساءلة أمام الرأي العام. فما هي حقيقة الاعتمادات الضخمة التي ضخت في العالم القروي؟ وأين ذهبت مليارات الدعم في ظل أزمات الجفاف وتصاعد موجات الغلاء التي اكتوى بها المواطن البسيط قبل غيره؟
يعود سر تمسك الأحرار المستميت بهذا القطاع بالأساس إلى كونه الشريان الانتخابي والمالي الأهم، حيث يمنح نفوذا ترابيا واسعا يمتد من الغرف الفلاحية والتعاونيات إلى مشاريع السقي ودعم كبار الفلاحين، مما يضمن بناء خزان انتخابي متين ومستدام يصعب منافسته ترابيا. ويستهدف الانتقاد الموجه لاستحواذ حزب واحد على قطاعي المالية والفلاحة قطع الطريق على انفراد طرف واحد بمناطق “من أين تؤكل الكتف” والميزانيات الاستثمارية الضخمة. وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجا وهو كيف انعكس عقدان من التدبير الأحادي لقطاع الفلاحة على الأمن الغذائي والفرشة المائية ومعيش صغار الفلاحين؟ وهل يعقل ترك قطاع حيوي مسالم للإجهاد المائي تحت رحمة لون حزبي واحد للقرارات الاستثمارية، بين صادرات ضخمة تنعش كبار المجمعين وتفقير مستمر للطبقة الوسطى القروية؟
يضع فتح هذا الملف في ظل ظروف الجفاف التنافس السياسي أمام اختبار المحاسبة المائية والعدالة التوزيعية للموارد الوطنية، للوقوف على مدى نجاعة الاستثمارات الفلاحية مقابل استنزاف المياه في زراعات تصديرية. ألا تشكل هذه المواجهة فرصة تاريخية لربط المسؤولية بالمحاسبة وإعادة الاعتبار للشغيلة الفلاحية؟ موقف المهاجري اليوم يمثل محاولة صريحة لإزاحة مركز الثقل التنفيذي لدى التجمع الوطني للأحرار. وسواء نجح الأصالة والمعاصرة في انتزاع القطاع أو إخضاعه لإعادة هيكلة شاملة، لم تعد العلبة السوداء لوزارة الفلاحة بعيدة عن ضوء الكشف والمساءلة السياسية، ليبقى التساؤل المفتوح هو هل ستملك الحكومة الجديدة الشجاعة الكافية لفتح الدفاتر القديمة وتغيير قواعد اللعبة الإدارية والسياسية، أم تطفئ توافقات التحالفات جمرة المكاشفة في أروقة كواليس السلطة؟