تثمين ممتلكات جماعة مكناس.. كشف المستور في “مؤامرة” دورة فبراير

المستقل | فؤاد السعدي

انكشف الستار اليوم عن واحدة من أكبر عمليات التضليل السياسي التي شهدتها مدينة مكناس، عندما حاولت معارضة مجلس جماعة مكناس الهجينة المشكلة من أحزاب العدالة والتنمية، والأحرار، والاستقلال، وأحزاب اليسار تزييف الوعي الجماعي عبر شعارات رنانة من قبيل “مكناس ليست للبيع”، بينما الحقيقة الموثقة بسجلات الجماعة تثبت أن هذه الأحزاب هي “المهندس الفعلي” لكل صفقات التثمين التي يتباكون عليها اليوم وعبر مراحل، على اعتبار أن النقاط المتعلقة بتفويت وتثمين الملك الخاص المدرجة بجدول أعمال دورة فبراير  الجاري (من سوق السمك القديم، تجزئة لاسيندا، سوق الأربعاء، إلى “مول” شارع الجيش الملكي) ليست وليدة الصدفة، بل هي مخرجات حرفية لبرامج عمل الجماعة التي تمت المصادقة والتأشير عليها من طرف السلطات المحلية منذ ولاية (2016-2021) تحت رئاسة عبد الله بوانو عن البيجيدي وبتحالف مع الأحرار أنذاك، وصولا إلى برنامج عمل الجماعة (2022-2027) الذي صاغه مجلس باحجي المشكل من الأحرار والاتحاد الدستوري والاستقلال، حيث لم تكن هذه النقاط مجرد نقاش تقني عابر، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لواحدة من أكثر حالات التناقض السياسي وضوحا في المشهد المحلي، على اعتبار أن المفارقة التي يصعب القفز عليها هي أن جزءا مهما من الأطراف التي قادت جبهة الرفض اليوم، هي نفسها التي وضعت الأسس النظرية والعملية لهذه المشاريع بالأمس.

وتحاول الذاكرة القصيرة لهؤلاء القفز على حقيقة أن المجلس السابق برئاسة بوانو صرف من المال العام ميزانية قدرها حوالي 53 مليون سنتيم لمكتب الدراسات “SUD” لإعداد عرض مفصل حول كيفية استغلال هذه الممتلكات؛ وهو المكتب الذي اقترح حرفيا إنشاء فندق بمرفق سوق السمك، وموقف سيارات بطابقين تحت أرضيين بالساحة الإدارية، ومركز أعمال “Centre d’affaire” بـ “فلوبيليس”، ومركب تجاري “Mall” بموقع المجزرة القديمة، إذ لم يتوقف الأمر عند حدود النوايا أو الشعارات، بل جرى تنزيل هذا التوجه عمليا عبر دراسات ميدانية ممولة من المال العام تم خلالها وضع تصورات دقيقة لتثمين عدد من العقارات الجماعية. ليأتي بعد ذلك تصميم التهيئة لسنة 2021 من أجل يعزز هذه الرؤية عبر منح قيمة استراتيجية ومالية كبيرة لهذه الممتلكات، في مؤشر واضح على وجود تصور متكامل كان يستشرف استثمار هذا الوعاء العقاري في مشاريع مدرة للقيمة، مما يؤكد أن “البيجيدي” و”الأحرار” كان لديهم تصور كامل لتفويت هذه المشاريع وتوفير كل وثائق التعمير والدراسات اللازمة لها، ظنا منهما أنهما سيعودون لتسيير المجلس بعد انتخابات 2021.

المثير للاستغراب هو أن جواد باحجي، في الفترة ما بين 2021 و2024، قام فعليا بإطلاق طلبات عروض لإبداء الاهتمام (Appels à la manifestation) وفق نفس كناش التحملات الذي أشرف عليه مكتب الدراسات في عهد بوانو، ولم يخرج حينها أي صوت معارض سواء من الاستقلال أو من العدالة والتنمية، والنتيجة أن تلك الطلبات باءت بالفشل.

اليوم، حين تولى عباس الومغاري رئاسة المجلس وقام بتعديل هذه الكنانيش لعرضها في مسطرة عادية وشفافة في إطار ضمان سيرورة المرفق الإداري، وتنزيل مخرجات برنامجي عمل جماعة مكناس “2016 2021″ و”2021-2027” باعتبارهما وثيقتين مرجعيتين ملزمتين، انتفضت هذه الأحزاب (الاحرار والبيجيدي والاستقلال) في وجهه، ومتناسية في الحين ذاته أنه خلال سنة 2024 نبه المجلس الجهوي للحسابات في ملاحظاته الصارمة إلى ضرورة تثمين هذه الممتلكات التي ظلت جامدة لأزيد من 40 سنة دون أي فائدة تعود على المدينة، مع العلم أن التحول اللافت اليوم لا يرتبط بجوهر المشاريع بقدر ما يرتبط بمواقع الفاعلين، فالنقاط التي تم طرحها في دورة فبراير تندرج ضمن مسطرة إدارية عادية تهم دفاتر تحملات مرتبطة بالتفويت أو الشراكة، دون أن تشكل بيعا آنيا كما يروج لذلك في بعض الخطابات الشعبوية.

وعندما نقارن مكناس بمدن كطنجة وفاس والدار البيضاء نكتشف حجم الجريمة التنموية التي ترتكبها هذه المعارضة؛ فطنجة أصبحت “عروس الشمال” بفضل تأهيل ممتلكاتها التي وفرت سيولة مالية ضخمة لبرامج تثمين المدن العتيقة، ومكناس اليوم أمام تحديات كبرى كإنشاء الملعب الكبير وأكاديمية النادي المكناسي، وهي مشاريع تحتاج لسيولة مالية لاقتناء العقارات، فمن أين ستأتي هذه الأموال إذا لم يتم تثمين الملك الخاص؟

ويبقى الخوف والهاجس الحقيقي للعدالة والتنمية والاستقلال والأحرار ليس على مصلحة المدينة، بل هو خوف سياسي محض من أن تتحول هذه الممتلكات في يد الومغاري إلى ثروة ينعش بها مالية الجماعة ويخلق مناصب شغل حقيقية، مما قد يزيحهم نهائيا من الخارطة السياسية للمدينة، أما أحزاب اليسار فمعارضتها لا تتجاوز حدود المعارضة من أجل المعارضة كعادتها رغم أنهم لا يعرفون عن هذا الموضوع أي شيء، فقط يعارضون عملا بالمثل المغربي “تابعين جلالة بالنافخ”.

أما خطاب “النزاهة” المزعوم لهذه المعارضة فلا يمكن تمريره دون تذكير الرأي العام بواقعة سنة 2008 خلال ولاية البيجيدي برئاسة المرحوم بلكورة، حين تم بيع عقار بشارع الجيش الملكي بما يناهز 4 مليارات سنتيم لمؤسسة البنك الشعبي لأداء مستحقات صندوق الضمان الاجتماعي وصندوق التقاعد حينها، لنكتشف بعد ذلك أن هذه البقعة استفاذت منها شركة أخرى؛ فأين كانت “عمامة النزاهة” والدفاع عن ممتلكات المدينة حينها؟ أم هو منطق “ديب حلال ديب حرام” الذي بدأ يطبع منطق البيجيديين في التدافع السياسي.

ما حدث خلال دورة فبراير من رفض لنقاط مثل بناء فندق 4 نجوم بموقع سوق السمك أو بناء عمارات سكنية بـ “لاسيندا” أو “Mall” تجاري وتفويت مشتل المقاولين الشباب، هو عبث سياسي بكل المقاييس، حيث يعارض الأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية نقطا هم من صاغوها ووقعوا عليها في برنامج العمل، فقط لوضع العصا في العجلة وإيقاف انطلاقة المدينة التي بدأت تتعافى ماليا وتخرج من العجز إلى الفائض.

الحقيقة التي يجب أن تدركها الساكنة هي أن المعارضة الفاشلة تريد بيع الوهم للمكناسيين وإيقاف قطار التنمية الذي يقوده الومغاري، خوفا من نجاحه فيما فشلوا فيه هم طيلة عقود، وهو ما يضع الخطاب السياسي المحلي أمام اختبار المصداقية، إذ يصعب إقناع الرأي العام بأن مشروعا كان بالأمس خيارا تنمويا كلف دراسات بـ 53 مليون سنتيم أصبح فجأة خطرا وجوديا لمجرد تغير موازين التدبير.

أما أولئك “المشوشين” الذين أقض مضاجعهم مسار سنة واحدة من تدبير الومغاري، فما عليهم إلا الكف عن بيع الأوهام ومواجهة الحقيقة العارية؛ فهذه هي إنجازات الرجل وأرقامه تتحدث في الميدان، فأرونا إنجازاتكم يوم كنتم تتربعون على كراسي التسيير وتدبرون ميزانيات المدينة بالجمود والفرص الضائعة. المكناسيون اليوم أصبحوا أكثر وعيا من أن تنطلي عليهم بهرجة الخطابات الغوغائية ودموع التماسيح على ممتلكات هم أول من شرعن تفويتها بالأمس، فمنطق الأرقام الساطعة والمعطيات الموثقة هو الحكيم والفيصل بين التدبير الجاد والعبث السياسي، ولأهل مكناس الشرفاء في نهاية المطاف كلمة الفصل لفرز المصلح من المفسد، ووضع كل “مزايد” في حجمه الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *