“مرسيدس” الميداوي.. حين يركب وزير التعليم العالي موجة البذخ على أنقاض شعارات التقشف

في خطوة أثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط السياسية والأكاديمية، قرر وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين الميداوي، الالتحاق بركب الوزراء “المبرعين” عبر المصادقة على صفقة اقتناء سيارة فارهة من نوع (Mercedes-Benz Classe C220) بقوة لا تقل عن 190 حصانا، وبقيمة مالية تناهز 54 مليون سنتيم. وتأتي هذه الخطوة لتعيد إلى الواجهة التساؤلات المشروعة حول تدبير المال العام داخل القطاعات الحكومية، خاصة وأن الوزارة المعنية تتوفر أصلاً على أسطول من السيارات الرفيعة التي خلفها الوزير السابق عبد اللطيف الميراوي، ما يجعل هذا التوجه نحو التجديد المترف يفتقر إلى المبررات التدبيرية الموضوعية.
إصرار المسؤولين على اقتناء مركبات بخصائص تقنية وجمالية عالية في ظل سياق وطني يرفع شعار ترشيد النفقات، يعكس هوة سحيقة بين الخطاب الرسمي المدافع عن التقشف وبين الممارسة الميدانية التي تعلي من شأن الرفاهية البروتوكولية على حساب النجاعة المالية، مما يكرس صورة ذهنية لدى الرأي العام مفادها أن ترشيد الإنفاق مجرد شعار يطبق على الفئات الهشة والميزانيات التشغيلية، بينما يستثنى منه كبار المسؤولين.
هذه الواقعة تفتح الباب أمام تحليل أعمق لمفهوم الوجاهة السياسية في المؤسسات المغربية، حيث لا يزال ينظر إلى نوع السيارة ومواصفاتها كأداة لإثبات النفوذ والمكانة، بدلا من اعتبارها مجرد وسيلة تنقل لخدمة المرفق العام، وهو ما يتناقض جذريا مع التوجهات الكبرى التي تدعو إلى تقليص كلف التسيير وكراء وشراء السيارات الحكومية التي ترهق كاهل الميزانية العامة.
وفي قطاع حيوي كقطاع التعليم العالي، الذي يعاني من خصاص مادي في البحث العلمي وتجهيز المختبرات والبنيات التحتية الجامعية، يبدو إنفاق مئات الآلاف من الدراهم على سيارة “بنز” بمواصفات كلاسي نوعا من المفارقة الصادمة، إذ كان من الأولى توجيه هذه الاعتمادات لتعزيز الخدمات الطلابية أو دعم المشاريع العلمية المتعثرة.
هذا السلوك الإداري يضعف من المصداقية الأخلاقية للوزارة في حث الجامعات والعمداء على ضبط النفقات، ويؤسس لثقافة البذخ المؤسساتي التي تستنزف الموارد وتخدش الثقة في العمل الحكومي، مما يفرض ضرورة وضع سقف قانوني وقيمي لمواصفات سيارات الدولة، وربط شرائها بضرورات مصلحية قاهرة لا بميولات شخصية تبتغي الفخامة والتميز.