من أزمة الجبايات إلى تراجع الباقي استخلاصه.. هل بدأت مالية مكناس تستعيد توازنها؟

في قراءة هادئة لمسار مالية جماعة مكناس خلال السنة الأخيرة، تبرز معطيات جديدة توحي بحدوث تحول تدريجي في المؤشرات الجبائية، تحول تزداد أهميته إذا ما تم استحضار السياق الذي انطلق منه المجلس الحالي. فقبل سنة 2025، كانت الوضعية الجبائية للمدينة توصف من قبل متابعين بالشبه منهارة، بفعل تراكم الباقي استخلاصه وركود التحصيل لسنوات، ما جعل المالية المحلية أقرب إلى منطق تدبير الأعطاب منه إلى منطق صناعة الفائض التنموي.
ضمن هذا السياق المثقل بالاختلالات، سجلت السنة المالية 2025 مؤشرات مغايرة نسبيا، حيث أظهرت الأرقام تقلصا ملحوظا في حجم الباقي استخلاصه، وتراجعا في نسبة الديون مقارنة بالمداخيل الفعلية، وهي نتائج تكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى أنها تحققت في ظرف زمني لا يتجاوز 13 شهرا. هذا العامل الزمني يظل عنصرا حاسما في تقييم الحصيلة، لأن إصلاح الأعطاب البنيوية للجبايات المحلية غالبا ما يتطلب سنوات من التراكم، لا دورة تدبيرية واحدة.
ويجمع متابعون للشأن المحلي على أن هذا التحسن لم يكن معزولا عن تغير أسلوب تدبير القطاع، حيث طبعت المرحلة الأخيرة بقدر أكبر من الصرامة في تتبع ملفات التحصيل، وإعادة ترتيب أولويات الجبايات المحلية، خاصة المرتبطة بالمرافق الجماعية والملك العمومي. كما ساهم تشديد المراقبة على بعض الموارد الكبرى في تقليص الهوة التقليدية بين المداخيل النظرية والمداخيل الفعلية، وهي فجوة ظلت لسنوات إحدى أعقد إشكالات المالية المحلية بمكناس.
في هذا الإطار، يسجل عدد من المتابعين أن قطاع المالية والميزانية داخل المجلس عرف خلال هذه الفترة دينامية أوضح، ارتبطت بطريقة تدبير نائب الرئيس المفوض للقطاع، الذي واجه ملفا مثقلا بتراكمات سابقة، واشتغل على منطق الاستدراك بدل التدبير المحافظ. ورغم أن الحكم النهائي على أي تجربة تدبيرية يظل رهينا بالزمن واستدامة النتائج، إلا أن ما تحقق خلال فترة وجيزة يمنح هذه المقاربة قدرا من المصداقية الأولية التي تستحق التقييم الموضوعي بعيدا عن منطق الاصطفاف السياسي.
غير أن أهمية هذه المؤشرات لا ينبغي أن تقرأ فقط بمنطق الأرقام المجردة، بل من زاوية أثرها المستقبلي على قدرة الجماعة على تمويل مشاريعها. فتعزيز المداخيل الذاتية وخفض الباقي استخلاصه لا يعني فقط تحسين صورة الميزانية، بل ينعكس مباشرة على ثقة الشركاء المؤسساتيين والممولين، ويرفع من قابلية المدينة للاستفادة من آليات التمويل والدعم المرتبطة بالمردودية المالية.
ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا التحسن الرقمي إلى أثر ملموس في المجال الحضري والخدماتي. فالتجارب المقارنة تظهر أن إصلاح المالية المحلية يفقد جزءا كبيرا من قيمته إذا لم يترجم إلى مشاريع مرئية تحسن جودة العيش وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة. لذلك، فإن الرهان اليوم لا يقف عند حدود تثبيت المؤشرات الإيجابية، بل يتجاوزها نحو ترسيخ استمرارية الإصلاح وضمان عدم الارتداد إلى منطق الاختلالات السابقة.
هذا ويمكن القول إن مالية مكناس دخلت خلال الأشهر الثلاثة عشر الأخيرة مرحلة إعادة توازن أولية بعد سنوات من الهشاشة الجبائية، وهي مرحلة تستحق قراءة موضوعية تنصف المجهود المبذول دون أن تسقط في التهويل. فالنجاح الحقيقي لأي إصلاح مالي لا يقاس فقط بسرعة الانطلاقة، بل بقدرته على الاستمرار والتحول إلى رافعة تنموية دائمة تضع المدينة على سكة التعافي المستدام.