فشل الإعفاءات الضريبية في كبح لهيب أسعار اللحوم بالمغرب يضع الحكومة في مواجهة تقارير المحاسبة وانتقادات البرلمان

يتواصل غليان أسعار اللحوم الحمراء في الأسواق المغربية ضاربا عرض الحائط بكل التدابير الاستعجالية التي اتخذتها الحكومة، وعلى رأسها الإعفاءات الضريبية والجمركية الواسعة على استيراد رؤوس الماشية واللحوم المجمدة. ومع دخول قانون مالية 2026 حيز التنفيذ، تمددت هذه الإعفاءات لتشمل استيراد نحو 300 ألف رأس من الأبقار و10 آلاف رأس من الأغنام حتى نهاية العام الجاري، بهدف صريح وهو كبح جماح الأسعار وتأمين تزويد السوق الوطنية في ظل تداعيات الجفاف وتراجع القطيع المحلي. إلا أن الواقع الميداني يكشف زيف هذه التوقعات، حيث استقرت الأسعار فوق حاجز 100 درهم للكيلوغرام، ما أجج التساؤلات حول الجدوى الاقتصادية لهذه التنازلات الضريبية التي تكلف خزينة الدولة ملايير الدراهم دون أن يلمس المواطن أثرها في قفته اليومية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى مفارقة صارخة، حيث تعرض اللحوم ذات المنشأ المستورد بنفس أسعار اللحوم المحلية، بل ويتم تسويقها أحيانا دون الكشف عن مصدرها الحقيقي، مما يحرم المستهلك من ميزة السعر التفضيلية التي يفترض أن يوفرها الإعفاء الضريبي. وقد رصدت تقارير رقابية تسرب هذا الدعم الحكومي لجيوب المستوردين والوسطاء، وهو ما دفع المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي إلى توجيه انتقادات لاذعة للحكومة، متهما إياها بمخالفة المادة 8 من القانون الإطار المتعلق بالجبايات التي تفرض إجراء تقييم دوري لنتائج هذه الإعفاءات. ودعا المجلس رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى التعجيل بإجراء تقييم شامل للأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه التدابير للحسم في استمرارها أو مراجعتها، خاصة وأنها تستنزف موارد مالية ضخمة من الميزانية العامة.
وعلى المستوى التشريعي، انتقل الجدل إلى قبة مجلس المستشارين من خلال سؤال كتابي وجهه المستشار خالد السطي عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب إلى وزير الاقتصاد والمالية، نبه فيه إلى أن هذه السياسة الجبائية لم تنعكس على أثمنة البيع للعموم، مما يثقل كاهل الأسر المغربية ويثير الشكوك حول نجاعة الآليات المعتمدة. وطالب المستشار البرلماني بتقديم توضيحات دقيقة حول آليات المراقبة والمواكبة التي تضمن انتقال أثر الإعفاءات مباشرة إلى المستهلك النهائي، وتعزز شفافية سلاسل التوزيع لقطع الطريق أمام المضاربة والاحتكار. وتأتي هذه التحركات في وقت تتبدد فيه آمال المغاربة بالعودة إلى مستويات الأسعار السابقة التي كانت تتراوح بين 70 و75 درهماً، خاصة بعد تصريحات رسمية لوزير الصناعة والتجارة رياض مزور استبعد فيها العودة لتلك الأرقام، مما يضع الحكومة أمام مواجهة مباشرة مع الرأي العام حول مصير الملايير التي تضيع من خزينة الدولة دون تحقيق توازن حقيقي في السوق.