“البام” يخرج عن صمته ويتهم أخنوش بـ”الانقلاب” على وهبي وإجهاض الوساطة البرلمانية

لم يعد الخلاف بين قطبي التحالف الحكومي، حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، مجرد تكهنات صالونات سياسية، بل انتقل إلى العلن عبر “بلاغ غاضب” للمكتب السياسي لـ”البام”، الذي اختار الخروج عن صمته تجاه ما اعتبره تغولا من رئيس الحكومة عزيز أخنوش على اختصاصات وزير العدل عبد اللطيف وهبي. هذا الصدام الذي اندلع على خلفية سحب أخنوش لملف “قانون المحاماة” وتجميد مساره التشريعي، يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مدى تماسك ميثاق الأغلبية وأخلاقيات العمل المشترك بين الحلفاء.
وفي تفاصيل المواجهة، سجل المكتب السياسي لـ”البام” في بلاغه الصادر يوم الأربعاء 18 فبراير 2026، موقفا حادا يرفض المنطق الفردي في اتخاذ القرارات المصيرية، مذكرا رئيس الحكومة بالتزامه الأخلاقي بـ “ميثاق الأغلبية” الذي يفرض التشاور المسبق حول القضايا الإصلاحية الشائكة. ويرى مراقبون أن “البام” لا يدافع فقط عن نص قانوني، بل يدافع عن هيبة الحقيبة الوزارية؛ فالتدخل المباشر لأخنوش وتشكيله لجنة تحت إشرافه مع هيئات المحامين، اعتبر في نظر الحزب إجهاضا لوساطة برلمانية دستورية كانت قد قطعت أشواطا مهمة بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما يكرس مبدأ إضعاف المؤسسات لصالح الزعامات.
إن الأفكار النوعية التي حملها البلاغ تكمن في إعادة الاعتبار لوزير العدل، حيث لم يتردد الحزب في وصف إصلاحات وهبي بأنها تجاوزت سقف الطموح المحدد في البرنامج الحكومي. هذا الثناء ليس مجرد مجاملة حزبية، بل هو دفاع استراتيجي يهدف إلى قطع الطريق على محاولات تصوير وهبي كسبب في الاحتقان، وتحميل رئيس الحكومة مسؤولية إقبار المبادرات التشريعية التي طُبخت في ردهات البرلمان. “البام” هنا يطرح إشكالية خطيرة وهو هل أصبح البرلمان مجرد “كومبارس” في ملفات تحسم بقرارات فوقية من رئاسة الحكومة؟
علاوة على ذلك، يعكس هذا الغليان داخل “الجرار” مخاوف من تكريس سابقة سياسية تتمثل في سحب البساط من الوزراء المشاكسين لصالح تكنوقراطية الرئاسة، وهو ما قد يؤدي إلى شلل في المبادرات القطاعية خوفا من “فيتو” رئيس الحكومة في اللحظات الأخيرة. فبينما كان وهبي يتشبث بمشروعه لإصلاح المهنة، جاء تدخل أخنوش ليعطي الانطباع بأن الحلول لا تمر عبر الوزارة الوصية، مما قد يشجع فئات مهنية أخرى على تجاوز الحوار مع الوزراء والتوجه مباشرة نحو رئاسة الحكومة لانتزاع المكاسب، وهو ما يربك التراتبية الإدارية والسياسية للدولة.
ويضع بلاغ الأصالة والمعاصرة التحالف الحكومي أمام اختبار حقيقي لـ “الأمن السياسي الداخلي”. فالاتهام الصريح بإجهاض الوساطة البرلمانية وتجاهل ميثاق الأغلبية، يعني أن الثقة بين الشركاء بلغت أدنى مستوياتها. ومع استمرار تعطل حقوق المتقاضين وتأخر المحاكمات، يجد المواطن المغربي نفسه ضحية لصراع الصلاحيات؛ فهل سينجح أخنوش في احتواء غضب حليفه بتقديم ضمانات تشاورية جديدة، أم أن قانون المحاماة سيكون هو القشة التي تقصم ظهر انسجام الأغلبية في ما تبقى من عمر الولاية؟