مكناس بين فوضى الابتزاز الرقمي وواجب الحسم القانوني

لم تعد واقعة الفيديو المسرب لأحد “نشطاء” فيسبوك بمدينة مكناس مجرد زلة فردية أو حادثة عابرة يمكن طيها في زحام الأخبار اليومية، بل تحولت إلى جرس إنذار مدوٍ يكشف عن ظاهرة مقلقة تنخر بهدوء صورة العاصمة الإسماعيلية. فحين يتحول شخص يوظف خطاب الغيرة على المدينة إلى مبتز موثق بالصوت والصورة، فإن القضية تتجاوز حدود الفضيحة الفردية لتطرح سؤالا أكبر يتعلق بكيف تركت مكناس تنزلق إلى هذا المستوى من الفوضى الرقمية دون تدخل حازم.
المقلق أكثر أن ما حدث لا يبدو معزولا، بل يأتي في سياق تمدد ظاهرة الابتزاز الرقمي التي تكاد تتحول إلى خصوصية مكناسية غير مشرفة. ففي وقت تعرف فيه مدن مغربية أخرى نقاشا رقميا حادا أو حتى فوضويا، تبدو مكناس المدينة الوحيدة التي انتشرت فيها ظاهرة الابتزاز العلني بهذا الشكل الفج ومفضوح، حيث تحول بعض الفضاء الرقمي المحلي إلى سوق مفتوحة للمساومات تعرض فيه سمعة المؤسسات والأشخاص مقابل منافع شخصية.
الملفت أن الفاعلين في هذه الظاهرة باتوا معروفين لدى الرأي العام المحلي، بحيث تنتمي نسبة منهم إلى شريحة اجتماعية هشة تضم عاطلين أو من ذوي سوابق وجدوا في جلباب الفاعل الجمعوي أو الناشط الرقمي درعا يحميهم من المساءلة ويمنحهم شرعية وهمية لممارسة التشهير والضغط والإبتزاز. وهنا مكمن الخطورة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمحتوى مسيء، بل ببناء نموذج منحرف يكافئ الضجيج ويعاقب العمل الجاد، ويحول الابتزاز إلى وسيلة ارتقاء اجتماعي سريع في نظر البعض.
لكن الوجه الآخر للأزمة لا يقل خطورة عن الفاعلين أنفسهم والمتمثل في صمت الجهات المسؤولة، هذا الصمت، مهما كانت مبرراته، لم يعد اليوم يقرأ كحكمة أو تعقل، بل يفهم في الشارع المكناسي كنوع من التردد الذي شجع الظاهرة على التمدد. فحين يتم توثيق وقائع الابتزاز بالصوت والصورة ويستمر التراخي في تفعيل المساطر القانونية، فإن الرسالة التي تصل إلى المبتزين تكون واضحة ومقلقة في الآن نفسه.
وفي هذا السياق تبرز مسؤولية النيابة العامة باعتبارها حامية للحق العام، إذ إن مثل هذه الوقائع لا يمكن اختزالها في نزاعات شخصية، بل تمس النظام العام الرقمي وسمعة المؤسسات. كما أن السلطات الترابية تتحمل بدورها جزءا من المسؤولية، بحكم دورها في ضبط الفضاء المحلي ومنع استغلال الواجهات الجمعوية كأغطية لأنشطة مشبوهة بعيدة عن روح العمل المدني.
والحال أن هذا التراخي لا يضر بالمؤسسات وحدها، بل يضرب في العمق سمعة المدينة نفسها. فمكناس التي تبذل فيها جهود حقيقية في مجالات متعددة، من التأهيل الحضري إلى تحريك عجلة الاستثمار المحلي، تجد نفسها في كل مرة رهينة فيديوهات شعبوية تبخس كل مجهود جاد، وتختزل صورة مدينة بتاريخ عريق في مشاهد مثيرة للجدل يصنعها باحثون عن الإثارة أو الابتزاز.
وبالتالي فاستمرار هذا الوضع يخلق مفارقة مؤلمة، على اعتبار أنه كلما تحركت دينامية إصلاحية على تحركت بالمقابل آلة تبخيس رقمية من دون انتاج حلول عملية، بل تقتات على تضخيم الأعطاب. وهنا لا يعود النقاش بين نقد مشروع وممارسة منحرفة، بل بين مشروع مدينة يريد التقدم وثقافة ابتزاز تسعى لإبقاء الواقع في حالة تعفن دائم لأنها تتغذى منه.
من هذا المنطلق تبدو اللحظة الحالية مفصلية، لأنها تضع المسؤولية مباشرة أمام الفاعلين المؤسساتيين وفي مقدمتهم رئاسة المجلس الجماعي. فالتعاطي مع قضية المبتز المكناسي لم يعد شأنا شخصيا أو معركة كرامة فردية، بل اختبارا لهيبة القانون داخل المجال المحلي. وتحريك المساطر القانونية بشكل واضح وصارم لن يكون تصفية حسابات، بل رسالة ضرورية تؤكد أن حرية التعبير لا تعني حرية الابتزاز، وأن المدينة قادرة على حماية نفسها من منطق الفوضى الرقمية.
اليوم تحتاج مكناس إلى لحظة وضوح، لأن ترك الظاهرة تتمدد أخطر بكثير من مواجهتها. فالمدينة التي تترك سمعتها رهينة هواتف بعض المبتزين مهددة بأن تفقد ثقة أبنائها قبل أن تفقد صورتها لدى الآخرين، لذلك فإن الحسم القانوني في هذه القضية بالذات قد يشكل نقطة تحول تعيد ترتيب قواعد النقاش العمومي وتؤكد أن هيبة المدينة ليست مادة للمساومة، وأن زمن الابتزاز المقنع برداء النضال يجب أن يتوقف.