جماعة مكناس وصفقة النظافة: كيف أربك تدبير الومغاري خطاب البيجيدي؟

في خضم النقاش الذي طبع أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة مكناس، والتي خصصت إحدى نقاط جدول أعمالها للدراسة والتصويت على اتفاقية التدبير المفوض لقطاع النظافة، حاول فريق العدالة والتنمية المعارض اختزال النقاش في مقارنة رقمية مباشرة بين كلفة صفقة 2025 وكلفة صفقة 2018 التي أبرمت خلال فترة تدبيره للمجلس، في مسعى لإيصال انطباع للرأي العام مفاده أن مرحلة تسييره كانت أكثر حرصا على المال العام.

غير أن هذا الطرح سرعان ما فقد وجاهته أمام مضمون الاتفاقية الجديدة، وخاصة البرنامج الاستثماري المرفق باتفاقية رقم 41/2025، الموقعة مع شركة “ميكومار”، والذي كشف عن حجم غير مسبوق من الاستثمارات المادية والبنيوية والرقمية، يعكس تحولا عميقا في طريقة تدبير هذا المرفق الحيوي، ويبرز بوضوح أن المقارنة بين الصفقتين لا يمكن أن تتم بمنطق الأرقام المجردة فقط.

فالوثائق الرسمية للاتفاقية الجديدة تظهر أن مجلس الومغاري لم يكتف بتفويض خدمة النظافة، بل اختار نهجا قائما على الاستثمار المسبق وإعادة هيكلة القطاع من جذوره. إذ ألزمت الاتفاقية الشركة المفوض لها بضخ استثمارات مهمة، تشمل اقتناء أسطول حديث ومتنوع من الشاحنات والآليات، من شاحنات جمع النفايات ونقل الردوم، إلى المكانس الميكانيكية، والدراجات الكهربائية، وآلات الشفط، ومعدات إزالة الأعشاب وغسل الطرقات، في خطوة تهدف إلى الرفع من نجاعة الخدمة وجودتها.

وإلى جانب المعدات، شملت الاتفاقية برنامجا طموحا لإعادة تأهيل البنية التحتية الخاصة بقطاع النظافة، من خلال تهيئة وتوسعة المرافق الجماعية، وإحداث بارك ميكانيكي متكامل يضم ورشا للإصلاح، ومحطات لغسل المركبات والتزود بالوقود، ومستودعات للحاويات، إضافة إلى تجهيز فضاءات اجتماعية وصحية لفائدة العمال، تشمل غرف تبديل الملابس، ومرافق الاستحمام، وقاعات الأكل والصلاة، ومكاتب لممثلي العمال، وهو ما يكشف إدماج الشق الاجتماعي في صلب العقد، وليس كملحق ثانوي كما كان الحال في صفقة 2018.

كما راهن مجلس الومغاري، من خلال الاتفاقية ذاتها، على التنظيم الحضري وتحسين المشهد العام للمدينة، عبر إحداث 150 نقطة جديدة لتجميع النفايات، وتهيئة منصات مغلقة، وتركيب سلال ورقية، وإحداث مستودعات لامركزية، بما يحد من النقط السوداء ويعزز شروط النظافة والبيئة السليمة.

التحول الأبرز في هذه الاتفاقية يظل، بحسب المتابعين، هو البعد الرقمي والرقابي، حيث ألزمت الشركة المفوض لها بتجهيز الآليات بأنظمة تحديد المواقع (GPS)، واعتماد كاميرات مراقبة، وإطلاق تطبيقات رقمية لتتبع الخدمة وتلقي شكايات المواطنين، إلى جانب تجهيزات معلوماتية وبرمجيات معتمدة، ما يضع حدا لمنطق التدبير غير القابل للتتبع، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الشفافية والمساءلة.

أمام هذه المعطيات، يتبين أن ارتفاع كلفة صفقة 2025 ليس نتيجة تبذير أو سوء تدبير، بل انعكاس لاختيارات واعية تهدف إلى تصحيح أعطاب تراكمت خلال سنوات، وعلى رأسها الأعطاب التي رافقت صفقة 2018، والتي اتسمت بغياب رؤية شمولية، وإغفال الشق الاجتماعي والاستثماري، والاكتفاء بتدبير ظرفي قصير النفس.

أمام هذه المعطيات، بدا إصرار فريق العدالة والتنمية على التشكيك في الاتفاقية الجديدة غير منفصل عن حسابات سياسية، خاصة بعد رفضه التصويت عليها، في وقت كان يراهن فيه، بحسب عدد من المتابعين، على تمديد عقد الشركة الحالية التي ينتهي أجلها في 31 دجنبر 2025، في سيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة تمديد عقد شركة النقل الحضري لسبع سنوات خلال فترة تدبير البيجيدي لمجلس جماعة مكناس، وهي الخطوة التي لا يزال المواطن المكناسي يدفع ثمنها إلى اليوم.

هذا السلوك، يضيف المتابعون، يكشف أن مرحلة تدبير العدالة والتنمية لمجلس جماعة مكناس لم تكن مرحلة مواجهة للملفات الثقيلة، بقدر ما كانت مرحلة تدبير للأزمات بمنطق التأجيل والترحيل، دون الجرأة السياسية الكافية لاتخاذ قرارات مكلفة آنياً لكنها ضرورية استراتيجيا.

اليوم، ومع عرض الوثائق التفصيلية للصفقة الجديدة، لم يعد النقاش يدور حول من كانت صفقته أقل كلفة على الورق، بل حول من امتلك الشجاعة لتصحيح أخطاء الماضي، وتحمل كلفة الإصلاح بدل الاستمرار في منطق الهروب إلى الأمام. وهي معطيات جعلت الكثير من الادعاءات تتهاوى، وكشفت أن مرحلة التسيير السابقة لم تكن، كما يروج لها، نموذجا في الحكامة، بقدر ما كانت مرحلة تم فيها تغليف أعطاب عميقة بأرقام منخفضة، سرعان ما انكشف ثمنها الحقيقي مع مرور الزمن. وهو ما يجعل اتفاقية 41/2025 ليس مجرد صفقة تدبير، بل محطة تصحيح لمسار اختلالات راكمتها سنوات من التدبير القصير النظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *