دكان “حقوقي” ينصب نفسه محاميا للدرك الملكي.. من حرك الخيوط الخفية وأين المفتشية العامة من هذه الفضيحة؟

تحولت محطة الأداء بمدينة تيفلت، التابعة لسرية الخميسات، خلال الأيام الأخيرة إلى بؤرة توتر واهتمام متصاعد بعد تفجر احتقان حاد بين مهنيي النقل الطرقي وبعض عناصر الدرك الملكي، جراء شكاوى مريرة رفعها أرباب وسائقي حافلات نقل المسافرين من تعامل غير مهني وتشدد مبالغ فيه في تحرير المخالفات وتسطير غرامات مالية متكررة تصل إلى 300 درهم تحت مبررات تم وصفها بالثانوية وغير المتناسبة، وهو ما عمق الاستياء السائد في ظل أزمة اقتصادية خانقة يجد فيها السائق نفسه مضطرا لأداء غرامة تفوق بكثير قيمة مدخول الرحلة بأكملها، حيث لا يتعدى ثمن نقل مسافر نحو المدينة 20 درهما، ما دفع بالمهنيين إلى التلويح بإلغاء المرور عبر تيفلت بصفة نهائية تفاديا لهذا الاستنزاف اليومي. وفي ذروة هذا الاحتقان، خرج رئيس الرابطة الوطنية لمقاولات النقل الطرقي بالمغرب بتصريحات قوية مستنكرا هذا التشدد غير المفهوم ضد الحافلات المهيكلة، مقابل سياسة غض الطرف عن النقل السري ونقل المستخدمين العشوائي النشيطين في نفس النقطة وأمام أنظار نفس العناصر، معلنا عن توجيه شكايات للجهات الوصية والتوجه نحو خوض وقفة احتجاجية دفاعا عن مبدأ المساواة في تطبيق القانون وحماية استقرار القطاع.

غير أن المفارقة الصادمة والعبثية التي فجرت ذهول المتتبعين، تمثلت في الخروج الإعلامي والمراسلة المفاجئة الصادرة عن الأمانة العامة لما يسمى “منظمة حقوقية” الموقعة من طرف أمينها العام والموجهة مباشرة إلى الجنرال دوكور دارمي محمد هرمو، قائد الدرك الملكي بالرباط. هذه المراسلة التي شكلت ردة حقوقية مكتملة الأركان وقلبا سافرا للمفاهيم الكونية والوطنية للعمل المدني الذي تم تأسيسه أصلا ليكون لسان حال المواطنين وحاميا لهم من الشطط، تحولت على يد هذه المنظمة إلى وثيقة بوليسية بامتياز تتبنى الدفاع المستميت عن جهاز الدرك الملكي وتهاجم الهيئات المهنية للنقل الطرقي واصفة شكاواهم وتظلماتهم المشروعة بالتصرفات غير المقبولة والمغالطات والأكاذيب والأخبار غير الدقيقة. ولم تقف المراسلة عند حدود مدح وتثمين كوكبة الدراجين بتيفلت وإعطائهم صكوك براءة مطلقة بادعاء تلقي اتصالات هاتفية تشيد بمجهوداتهم ، بل انزلقت نحو دور المخبر والتحريض القضائي عبر ملتمس صريح يطالب القيادة العليا بإعطاء تعليماتها لفتح بحث وملاحقة الجمعية المهنية المذكورة حفاظا على هيبة المؤسسة ، وهو سلوك يعكس تمييعا خطيرا للمشهد الحقوقي الذي بات يستغل كدكاكين تجارية وتبريرية للاسترزاق والمداهنة والتقرب من مسؤولي الأجهزة الأمنية على حساب أرزاق المستضعفين.

هذا الانزلاق الفج يضع الساحة أمام أسئلة حارقة تفرض على المفتشية العامة للدرك الملكي التدخل الفوري لفتح تحقيق دقيق وجاد لاحتواء الأزمة؛ فمؤسسة الدرك الملكي العريقة والسيادية هي مؤسسة عسكرية قوية ومحاطة بالضوابط القانونية والقنوات الرسمية، ولا تحتاج مطلقا لجمعيات مجهولة الوزن لتنصب نفسها محاميا مدافعا عنها، وهو الأمر الذي يحمل في طياته إهانة مبطنة لسمعة الجهاز وقدرته على حماية نفسه بقوة القانون. والأخطر من ذلك، هو ما تثيره هذه الخرجة المدفوعة من فرضيات حول وجود خط تواصل وتنسيق مشبوه وسري “تحت الطاولة” بين عناصر كوكبة الدراجين بتيفلت ومسؤولي هذه المنظمة الحقوقية للالتفاف على نضالات السائقين وتكميم أفواههم، وهو خرق فادح لضوابط الاستقامة والمرفق الأمني يُسائل الضمير المهني؛ حيث إن المنظمات الحقوقية التي تحترم نفسها لا يمكنها تبني أي ملف أو إبداء موقف دون الحصول على طلب مآزرة رسمي مكتوب والاطلاع على كافة المحاضر والوثائق. وعليه، فإن تبرع هذه المنظمة بالدفاع دون غطاء قانوني يؤكد شبهة إفشاء السر المهني أو التواطؤ الميداني لتصفية حسابات ضيقة ضد المهنيين، وهي ممارسات شاذة تضرب في العمق جهود الإصلاح والتخليق التي تقودها القيادة العليا بالرباط، وتفرض على المفتشية العامة الضرب بيد من حديد لردع من يتلاعب بهيبة المؤسسة ويستعين بـ”البلطجة المدنية” لشرعنة استنزاف لقمة عيش الشغيلة الطرقية.

أمام هذه المشاهد السريالية التي تضرب عمق المفهوم الحقوقي وتتطاول على الأعراف العسكرية، تظل الأسئلة الحارقة معلقة في مرمى القيادة العليا، إلى متى سيستمر صمت المفتشية العامة للدرك الملكي أمام هذه المهزلة التدبيرية والخرجات الجمعوية غير المحسوبة عواقبها؟ وهل ستتحرك المفتشية بصفة عاجلة لفتح تحقيق دقيق يحدد طبيعة الخيوط الخفية والتنسيق السري المحتمل بين عناصر كوكبة الدراجين بتيفلت ومسؤولي هذه المنظمة الحقوقية لتركيع الشغيلة الطرقية؟ من عساه يكون ذاك الذي رخص أو سمح لـ”دكان مدني” بأن يتنطع بلعب دور الناطق الرسمي والمحامي لجهاز سيادي يملك من القنوات والقوانين ما يكفيه لحماية نفسه؟ ألا تدرك المفتشية العامة أن ترك الحبل على الغارب لمثل هذه الانزلاقات الخطيرة، والاستعانة بـ”بلطجة جمعوية” تقتات على لافتات محاربة الفساد لتبرير استنزاف لقمة عيش المهنيين، هو الطعنة الحقيقية التي تدمي هيبة المؤسسة العسكرية وتنسف كل جهود التخليق والإصلاح؟ لقد باتت حماية وقار البدلة الصارمة لرجال الدرك تفرض اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، الضرب بيد من حديد على يد كل من سولت له نفسه تمييع المشهد الأمني، وجعل مؤسسة سيادية مطية لرسائل المداهنة، والاسترزاق، وتصفية الحسابات الضيقة على حساب قهر ومستقبل مستعملي الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *