حملة تبخيس مبكرة بمكناس.. لماذا يهاجم “هواة السياسة” تزكية بوانو الخامسة ويتجاهلون وزنه الوطني؟

المستقل | فؤاد السعدي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في الثالث والعشرين من شتنبر المقبل، برزت على السطح السياسي بمدينة مكناس نقاشات حادة واعتراضات من طرف من يعتقدون أنهم يفهمون في خبايا العمل السياسي، ممن سارعوا إلى توجيه سهام النقد لتزكية الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية لعبد الله بوانو للترشح للمرة الخامسة على التوالي بالدائرة الانتخابية للمدينة. غير أن هذا الانتقاد الموجه للرجل، المبني على ادعاءات غيابه عن واجهة الدفاع عن مصالح العاصمة الإسماعيلية، يظل مجرد قراءة قاصرة تسطح أدوار العمل البرلماني الحقيقي؛ على اعتبار  أنه لا أحد يمكنه أن ينكر على الرجل مواطنته وشرعيته الترابية كابن بار لمدينة مكناس، ملم بجميع تفاصيلها وإشكالاتها التنموية.

فالخلل الأساسي في طروحات هؤلاء المنتقدين يكمن في ربط كفاءة النائب البرلماني بالظهور الإعلامي المحلي وكثرة الصراخ فوق منصات الجلسات الشفهية المصورة، متناسين أن ثمانين بالمائة من العمل التشريعي الحقيقي وتمرير المشاريع وضخ الميزانيات يتم عبر الترافع الصامت والناجع داخل ردهات اللجان الدائمة والمكاتب الوزارية، وهو المساحة التدبيرية التي يتفوق فيها بوانو بفضل وزنه السياسي الثقيل كقيادي وطني؛ حيث تمنح هذه التجربة الطويلة لمدينة مكناس صوتا مسموعا ومفاتيح حقيقية في الرباط لا يملكها البرلماني المبتدئ. أما في النظم الديمقراطية العريقة، لا ينظر إلى التزكية المتكررة كعيب، بل كاستثمار ذكي في تراكم الخبرة البرلمانية لتشكيل قوة ضغط لفائدة الدائرة الانتخابية.

ويرى هؤلاء المنتقدون أن بوانو اتسم بشراسته البالغة في الدفاع عن السياسات العامة ومصالح المواطنين ككل، حيث كان بمثابة “العلقم” في حلق حكومة عزيز أخنوش، وشكل جدارا مانعا وصخرة تتحطم عليها التوجهات الحكومية من موقع المعارضة الجريئة، على الرغم من أنه يترأس مجرد مجموعة نيابية وليس فريقا برلمانيا مكتملا من حيث العدد، وهو ما يعكس قوة كاريزمية استثنائية تؤثر في المشهد الوطني من أقل مساحة عددية ممكنة. وينطلق منتقدو الرجل من هذه الشراسة ليعيبوا عليه تركيزه على القضايا والسياسات العامة للبلاد مقابل ما يسمونه إهمال ملفات مكناس، وهنا يطرح السؤال الاستنكاري نفسه بالضرورة، أليست مكناس مدينة مغربية؟ أليس المكناسيون مواطنين مغاربة من صلب هذا الوطن الذي يدافع عنه بوانو؟ على اعتبار أن الدفاع عن الوعاء القانوني، والقدرة الشرائية، والعدالة الجبائية، وسياسة الاستثمار على المستوى الوطني هي بالضرورة دفاع مستميت عن المواطن المكناسي الذي يتأثر مباشرة بهذه القوانين والقرارات المركزية.

ولم يكن هذا الطرح مجرد تحليل نظري، بل جسدته الوقائع الميدانية بالدليل القاطع، حين خرج رئيس مجلس جماعة مكناس الحالي، عباس الومغاري، في دورة رسمية للمجلس ليوجه تنويها مشهودا بالدور المحوري والكبير الذي يلعبه عبد الله بوانو في أروقة العاصمة الرباط لانتزاع مكاسب ومشاريع استراتيجية لفائدة مدينة مكناس. وبالتالي تكتسب شهادة الومغاري هذه مصداقية مضاعفة لكونها صادرة عن خصم سياسي ينتمي لعائلة حزبية أخرى هي الاتحاد الدستوري، مما ينزع عنها أي طابع للمجاملة، ويؤكد بالمنطق العملي أن بوانو يضع مصلحة مدينته فوق التخندقات الضيقة، وأن السياسة في عمقها هي قدرة على تحقيق النتائج على الأرض لا البحث عن أضواء المنصات.

وتتكامل هذه الشهادة الميدانية مع حالة شبه الإجماع التي تسود الشارع المكناسي اليوم حول نجاح ولايتين جامعيتين طبعتا التدبير المعاصر للمدينة؛ الأولى هي الولاية السابقة التي ترأسها عبد الله بوانو ونجح خلالها في ضبط التوازنات المالية للجماعة وهندسة مخطط عملها وتأهيل بنيتها تحت شروط صعبة، والثانية هي الولاية الحالية لعباس الومغاري الذي يكمل المسار بمنطق واقعي وتشاركي لإخراج المشاريع إلى حيز الوجود. هذا التكامل بين تدبير الومغاري المحتضن للميدان بالقصر البلدي بمكناس، وترافع بوانو الضاغط في دهاليز القرار بالرباط، يكشف تهافت شعار تغيير الوجوه لمجرد التغيير الذي يرفعه المنافسون هربا من مواجهة الحصيلة، ويثبت أن هجوم أولئك “المتفقهين” ليس سوى صدى لضعف بدائلهم وسلوك انتخابي مبكر أمام صناديق اقتراع شتنبر التي تظل وحدها صاحبة الكلمة الفصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *