فؤاد السعدي يكتب: ساعة تكفي لفضح العجز.. أخنوش ينهار في أول امتحان تلفزيوني


الحوار التلفزيوني المصور الأخير لرئيس الحكومة لم يكن سوى مرآة عاكسة لواقع متأزم، فبدل أن يقدم الرجل ما يطمئن المغاربة ويقنع الرأي العام الوطني بجدية حكومته، خرج بعبارات متقطعة ووعود فضفاضة لا تختلف عن تلك التي كررها منذ بداية ولايته. الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان هو أن الحوار لم يكن فيه ما يستحق المتابعة غير التأكيد على أن صاحب المسؤولية الأولى في الحكومة عاجز عن تقديم رؤية واضحة أو خطاب سياسي مقنع. ولعل ما زاد الطين بلة أن بعض وزرائه خرجوا بعد ذلك بتصريحات تثير الاستغراب، بل الاشمئزاز، خصوصا عندما حاولوا تصوير هذا الفشل على أنه “نجاح باهر” و”خرجة موفقة”.
لقد حاول رئيس الحكومة أن يبيع للمغاربة وهما جديدا، وهو يتحدث عن حصيلة حكومية إيجابية، لكنه لم يقدم رقما واحدا يثبت ما يقول، وبالتالي، كل ما عرضه لا يتعدى شعارات عامة، وكأنه يخاطب جمهورا بلا ذاكرة. والدليل أنه في الوقت الذي يئن فيه المواطنون تحت ضغط الأسعار وغياب فرص الشغل وتدهور الخدمات الأساسية، يخرج علينا بخطاب إنشائي يتحدث فيه عن “المشاريع الكبرى” وكأن هذه المشاريع تكفي لإسكات أصوات الناس وإقناعهم بأن معاناتهم مجرد تفاصيل.
ثم إن تضارب المصالح الذي يحيط برئيس الحكومة يجعل من كل خطاب يصدر عنه فاقدا للمصداقية. وبالتالي كيف يمكن لرجل أعمال يملك شبكة مصالح واسعة في قطاعات حيوية أن يقنع الناس بأنه يتحدث بلسان رجل الدولة المحايد؟ إن المواطن يرى بوضوح أن الأولوية في هذه الحكومة ليست للمصلحة العامة، بل لحماية مصالح اقتصادية وتجارية تمتد جذورها إلى أعلى هرم المسؤولية الحكومية. وهذه الحقيقة المرة تفسر كثيرا من القرارات التي تبدو وكأنها تخدم لوبيات معينة أكثر مما تخدم الشعب.
لقد تم الترويج كثيرا في البداية أن هذه “حكومة الكفاءات”، وأنها ستشكل قطيعة مع الممارسات السابقة، لكن ما اتضح مع مرور الوقت أنها مجرد كذبة سياسية كبرى واستغفال لعقول المغاربة، لنكتشف بعد ذلك أن الكفاءات التي وعد بها المغاربة لم تكن سوى في مخيلة رئيس الحكومة، أن واقع الحال هو أن الحكومة عجزت عن صياغة رؤية، وأخفقت في تقديم بدائل، وتاهت في تفاصيل تقنية لم تترجم إلى حلول ملموسة، ولا أدل على ذلك فضيحة تدبير كارثة الحوز التي كشفت القناع وعرت عن الوجه الحقيقي لهذه الحكومة، بطء، وارتباك، وغياب التنسيق، وافتقاد كامل للروح الإنسانية في التعامل مع فاجعة هزت قلوب المغاربة، هي لحظة التاريخية كانت كافية لإظهار أن الكفاءة التي تحدث عنها أخنوش مجرد شعار أجوف لا سند له على الأرض.
وإذا أضفنا إلى ذلك الأرقام القياسية في الاعتقالات التي عرفتها فترة ترؤسه، والتي طالت برلمانيين ورؤساء جماعات ينتمون في غالبيتهم إلى حزبه، فإن الصورة تصبح أوضح وهي حزب يقود الحكومة وهو غارق في الفضائح والمتابعات القضائية، بينما رئيسه يحاول بيع صورة وردية للمغاربة عبر التلفزيون العمومي. والمفارقة الصادمة أن حلفاءه في الحكومة، من “البام” و”الاستقلال”، لم يجدوا ما يعلقون به على هذا الوضع غير الصمت والتواري إلى الخلف، وكأنهم غير معنيين بمصير التجربة الحكومية. فإذا كان أقرب حلفائه غير مقتنعين بخطابه، فماذا تركوا للمواطنين البسطاء الذين يعيشون الخيبة كل يوم؟
مشهد اخر لا يقل قتامة عن سابقه وهو أن يخرج وزراء حزبه ليمجدوا هذا الأداء المترهل، مدعين أن ما قيل في البرنامج التلفزيوني أثار “نقاشا سياسيا واسعا” و”أزعج الخصوم”، كأنهم مصرين على الاستهزاء بذكاء الناس واستغباء عقولهم. فكيف يمكن أن توصف الحصيلة بالمشرفة والمغاربة يعيشون أسوأ فترات الضغط المعيشي؟ كيف يقال إن الأسر استفادت من البرامج الحكومية في وقت لا يشعر فيه المواطن البسيط بأي أثر لهذه البرامج على واقعه اليومي؟ ألا تزيد هذه اللغة الخشبية سوى في تكريس القطيعة بين الحكومة والشارع؟
لقد حاول رئيس الحكومة أن يظهر بمظهر رجل الدولة المدافع عن “المشاريع الكبرى” و”توجهات المملكة”، لكن الحقيقة أن أداءه لم يكن سوى استعراضا مرتبكا أحرج حتى مناصريه. فحين يضطر وزراؤه إلى تزكية الخرجة والتصفيق لها بعبارات مبالغ فيها، فإن ذلك لا يعكس سوى ضعف المضمون وخوف الحزب من الاعتراف بالواقع. حزب حاكم يتباهى بأنه “يخلق النقاش” بينما يفشل رئيسه في مواجهة سؤال واحد بجرأة، لا يستحق سوى وصفه بحزب الخطاب الفارغ.
إن المشهد برمته يكشف أزمة عميقة وهي أن رئيس حكومة بلا كاريزما، وبلا رؤية، ويكرر نفس الشعارات، وحزب يتكفل وزراؤه بتلميع صورته بعبارات منمقة لا تنطلي على أحد. كل ذلك يعزز الانطباع السائد بأن هذه الحكومة عاجزة عن إقناع المغاربة، لا بخطابها ولا ببرامجها، وأن الخرجة الإعلامية الأخيرة لم تعد سوى تمرينا في التسويق الحزبي، بعيدة كل البعد عن السياسة التي تستجيب لتطلعات المواطنين.
وتبقى الحقيقة التي غابت عن رئيس الحكومة في خرجته، والتي كان عليه أن يقولها بصدق وجرأة، ليست ادعاء الحصيلة ولا التباهي بالمشاريع، بل الاعتذار الصريح للمغاربة وطلب الصفح منهم على خيبات الأمل المتتالية وفشله في أن يكون في مستوى تطلعاتهم. فالكلمة التي انتظرها الشعب للأسف غابت عن الحوار ، وكان حضورها سيحث الفارق ويعد التوازن، ويقر بالحقيقة التي قالها جلالة الملك وهي أن المغرب يمشي بسرعتين، هي كلمة بسيطة في رسمها تقيلة في تأثيرها: “سامحونا…”.