صحيفة “وول ستريت جورنال”.. مدريد تتحاشى تحميل المغرب مسؤولية تدفقات سبتة الأخيرة

تناولت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، في تقرير إعلامي واسع، تفاصيل ومؤشرات الأزمة الدبلوماسية والأمنية التي اندلعت عقب تسجيل تدفق غير مسبوق لعشرات الآلاف من المهاجرين نحو مدينة سبتة. وهو التطور الميداني الذي أعاد تسليط الضوء على هشاشة وقوة العلاقات الرابطة بين المملكة المغربية والجارة الإسبانية من جهة، وبين مدريد ومحيطها الشريك داخل الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
وفقا لما ورد في المادة الصحفية للمؤسسة الأمريكية، حرصت الأجهزة التابعة للحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز على اعتماد خطاب رسمي يتجنب التوجيه المباشر لأصابع الاتهام أو اللوم إلى السلطات المغربية. حيث جرى حصر المسببات الرسمية المفسرة لهذه الموجات المفاجئة في حركة ونشاط شبكات تنظيم التهريب الاتجار بالبشر، دون إسناد الأمر إلى وجود تقصير أو غض طرف حكومي من قبل الرباط. وفي السياق ذاته، اعتبرت التقييمات الواردة في التقرير أن القواعد والإجتهادات القضائية الأخيرة الصادرة عن المحكمة العليا في إسبانيا، والتي فرضت تعقيدات مسطرية إضافية على آليات الإعادة القسرية السريعة للأفراد الواصلين بحرا عبر المنافذ غير القانونية، قد تشكل أحد العوامل المشجعة على بروز هذه التدفقات العارمة.
في المقابل، نقل التقرير تحليلات لقراءات متخصصة تفترض إمكانية وجود تسهيل ضمني لموجات العبور كرسالة ذات أبعاد سياسية موجهة نحو الجانب الإسباني، وذلك على خلفية ملف الصحراء والتجاذبات الإقليمية القائمة بين الرباط والجزائر، حيث تواصل الأخيرة دعم القوى المطالبة بالاستقلال في المنطقة التي يصر المغرب على تثبيت سيادته الكاملة والتامة عليها، وهو النزاع الإقليمي الذي يمثل خلفية أساسية لقراءة خلفيات وأبعاد هذه التطورات الميدانية.
من الناحية الميدانية، أفادت الصحيفة بتسجيل خرق استثنائي للمنظومة الحدودية لسبتة خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، تجسد في عبور نحو 50 ألف شخص. وأبرز المصدر أن أغلبية هؤلاء العابرين غادروا النقطة الحدودية خلال ظرف زمني لم يتجاوز يوما واحدا من تاريخ الوصول، بينما ظلت الفئات القليلة المتبقية تتخبط أمام عوائق تنظيمية وقانونية تحول دون قدرتها على النفاذ إلى العمق الأوروبي، بالنظر إلى طبيعة الأحكام والضوابط الاستثنائية التي تخضع لها معابر سبتة ومليلية، والتي تمنع التنقل الحر عبر الشريط البحري الفاصل بين المدينتين واليابسة الأوروبية القارية.
وعلى الصعيد السياسي، أوضحت الصحيفة الأمريكية أن تداعيات الملف سرعان ما نقلت رئيس الحكومة الإسبانية من إدارة ملف الهجرة الميداني إلى مواجهة تجاذبات سياسية داخلية وأوروبية حادة. إذ قوبلت إسبانيا بتفاعل يسوده التحفظ ومحدودية التعاطي الإيجابي من قبل عواصم متعددة بالاتحاد الأوروبي، بما فيها إيطاليا وفنلندا، والتي ذهب بعض مسؤوليها إلى التلويح بضرورة تشديد الرقابة الحدودية على الحركة القادمة من الأراضي الإسبانية، مع تحميل نهج حكومة سانشيز وسياساتها المعلنة بخصوص استقبال وتدبير الهجرة مسؤولية تفاقم الوضع.
وردا على هذا الضغط الأوروبي، بعث بيدرو سانشيز برسالة موجهة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لخص فيها موقفه بالتشديد على أن ردود أفعال بعض نظرائه الأوروبيين تعكس توجها أنانيا ومثيرا للانقسام وغير قانوني، معتبرا إياها محكومة بحسابات سياسية وانطباعات غير دقيقة.
ولفت التقرير الإخباري إلى أن هذا الاحتكاك السياسي بين سانشيز والمؤسسات الأوروبية يأتي في ظل تحولات جيو-سياسية تشهد صعودا متزايدا للتيارات والكتل الحزبية ذات التوجه اليميني الداعية إلى تقييد سياسات اللجوء. وذكرت الصحيفة أن سانشيز، الذي اعتمد خيارات سياسية محسوبة على معسكر اليسار تشمل تسوية الأوضاع القانونية لفئات من المهاجرين بالتوازي مع انتقاد سياسات الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، عمل في الوقت ذاته على إرساء إجراءات حمائية ميدانية شملت رفع منشآت السياج الحدودي بسبتة، غير أن المشاهد المتداولة لعبور أفراد عبر المنافذ البحرية والالتفاف على الحواجز المائية أعادت للواجهة القوة الانفجارية لملف الهجرة غير النظامية.
وعلى المستوى الداخلي، يأتي هذا المستجد الحدودي في فترة دقيقة يخوضها رئيس الحكومة الذي عرف في الأوساط السياسية منذ تقيلده المنصب سنة 2018 بالقدرة على تجاوز الأزمات والتوازنات المعقدة. وتتزامن هذه التطورات مع تراجع في مستويات الدعم الشعبي بفعل المتابعات والتحقيقات الجارية التي تطال محيطه الأسري والحزبي في قضايا ترتبط بسوء السلوك الإداري والمالي؛ وهي التهم التي يواصل المعنيون نفيها بشكل قاطع.
وتزداد حساسية هذا الملف مع اقتراب محطات استحقاق انتخابي مرتقبة بإسبانيا، وسط ترجيحات توردها القراءات السياسية باحتمال تراجع نتائج الحزب الاشتراكي لصالح التحالفات اليمينية الممثلة أساسا في حزب “فوكس” المناهض للهجرة، وهو التحالف الذي قد يفضي إلى تشكيل الخيار الحكومي الأكثر يمينيا منذ التحول الديمقراطي عقب وفاة فرانثيسكو فرانكو سنة 1975. وكان زعيم حزب “فوكس”، سانتياغو أباسكال، قد استغل الأزمة للتحرك ميدانيا نحو سبتة موجها انتقادات مباشرة لسانشيز ووصفه بأنه خطر على الإسبان.
واختتمت “وول ستريت جورنال” القراءة الإخبارية بالتأكيد على أن زيارة سانشيز الميدانية إلى سبتة خلال عطلة نهاية الأسبوع استهدفت بالأساس إرسال رسائل طمأنة للساكنة وللشارع الإسباني بشأن عدم التساهل مع أي مساس بالسيادة الترابية للبلاد، بينما يستمر الجدل والقراءات المتباينة حول الأسباب الحقيقية والظروف المنظمة لهذا التدفق المفاجئ، بين تفسيرات محصورة في شبكات التهريب وأخرى ترجح وجود خلفيات ودوافع سياسية إقليمية أوسع نطاقا.