إنزال حزبي مكثف بدائرة مكناس وسط تساؤلات حول حصة المدينة من الاستثمار والعدالة المجالية

بقلم | فؤاد السعدي

لماذا تحضر مكناس بقوة في أجندات صقور الأحزاب الوطنية حين يقتضي الأمر حشد الأصوات، وتغيب كليا عن ميزانيات التجهيز وجداول المشاريع الكبرى؟ ما الذي يجعل العاصمة الإسماعيلية محطة إستراتيجية لتصفية الحسابات السياسية واستعراض العضلات الانتخابية، بينما تظل ملفاتها التنموية الممتدة مركونة تحت قبة البرلمان وفي المجالس الحكومية؟ متى يتوقف التعامل مع هذا القطب التاريخي كخزان انتخابي عابر للوصول إلى المقاعد، ثم يترك أهله يواجهون تبعات التهميش والركود بمفردهم؟

هذه التساؤلات الحارقة تتجسد في المشهد الميداني اليوم، حيث تشهد دائرة مكناس حركة غير مسبوقة توافقت مع الإنزال المكثف لأمناء عامين وقيادات الصف الأول لأبرز الأحزاب الوطنية (حزب الاستقلال، التجمع الوطني للأحرار، العدالة والتنمية، الاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية)، في مشهد يكرس الوزن الانتخابي الثقيل للمدينة ضمن الخريطة السياسية الوطنية، ويكشف حجم الاستغلال الموسمي لتاريخها. غير أن هذا التسابق الحزبي الاستعراضي على اعتلاء المنصات ودغدغة المشاعر لا يوازي حجم تطلعات الشارع المكناسي، الذي ينظر بكثير من التساؤل والعتاب المشروع لهذا الاهتمام المفاجئ، على اعتبار أن الواقع الميداني اليوم يثبت أن هذه الأحزاب لا تتذكر مكناس إلا عند اقتراب الاستحقاقات وحاجة صناديق الاقتراع لأصوات أبنائها، بينما تتوارى المدينة وقضاياها المصيرية عن أجنداتها التنموية طيلة فترات الانتداب والحكومات المتعاقبة.

قد يدعي قائل أن الحركية والمشاريع التي شهدتها مكناس خلال السنتين الأخيرتين هي ثمرة ترافع هذه الأحزاب وتفاعلها الميداني، غير أن الحقيقة الساطعة التي يجب أن يعيها المكناسيون جليا هي أن الأغلبية الحكومية، المشكلة من أحزاب التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، والأصالة والمعاصرة، قد أدارت ظهرها بالكامل للمدينة طيلة ولاية كاملة ولم تستفد مكناس في عهدهم من أي التفاتة استثمارية نوعية. وبالتالي ما شهدته المدينة من دينامية وإنعاش لمشاريعها المعطلة وتأهيل بنياتها لم يكن سوى ثمرة مجهود واستثناء محلي خالص، قاده عامل عمالة مكناس بالتنسيق والعمل الميداني المباشر مع رئيس الجماعة والنائب البرلماني عن المعارضة بمجلس النواب، اللذين اشتغلا بإمكانيات الذات لرفع الضرر والتهميش عن المدينة، مما يجعل المحاسبة السياسية والانتخابية اليوم واجبة وموجهة بالأساس ضد هذه الأغلبية الحكومية التي خذلت العاصمة الإسماعيلية.

ويفسر هذا الانفصال التام بين الواقع الميداني والممارسة السياسية للأغلبية الحكومية بوضوح لماذا يتعاظم العجب والدهشة في هذا الحراك الانتخابي أمام اقتصاره على إطلاق الخطابات التعبوية واستعراض العضلات الخطابية، دون أن ينعكس هذا الصخب على جودة الترافع المؤسساتي تحت قبة البرلمان، حيث تظهر حصيلة الأسئلة والمبادرات المكتوبة ضآلة حقيقية تتناقض كليا مع حجم الخطابات الرنانة فوق المنصات. يرافق هذا التغييب صمت جماعي مريب داخل أروقة المؤسسات ومراكز القرار حول الضربة القاسية التي تعرضت لها المدينة برسم التقسيم الجهوي لسنة 2015 والذي جرد مكناس من وضعها كعاصمة لجهة قائمة الذات وألحقها بجهة فاس، مما تسبب في تحويل مركزية القرار والتمويل والاستثمارات الكبرى بعيدا عنها، لتتكرس حالة من الفوارق المجالية الحادة والواضحة مقارنة بمدن الجوار التي ظلت تحظى بأولويات التجهيز والدعم.

ولم يقف الحد عند حدود هذا التهميش المجالي والمؤسساتي، بل إن هذا الخلل التنموي يتجلى بشكل أعمق في استمرار الارتهان للزعامات المركزية على حساب صناعة نخبة محلية قوية قادرة على فرض شروط المدينة وانتزاع حقوقها، حيث يكتفي المرشحون المحليون بأدوار تنظيمية هامشية والتصفيق للقيادات الوافدة دون التجاسر على تقديم مذكرة مطالب مكناسية مستعجلة تلزم قادة أحزابهم بتعهدات معلنة. وينعكس هذا العجز الميداني مباشرة على كرامة الساكنة حين يختزل تاريخ العاصمة الإسماعيلية في محطة لتصفية الحسابات السياسية بين صقور الأحزاب الذين يواجهون الملفات المستحقة ببرودة تامة، بدل طرح مشروع يتضمن التزامات محددة بجدول زمني وأرقام ملموسة لرفع الحيف التنموي، خاصة في قضايا حيوية كاستعادة العافية للنسيج الاقتصادي، وتحريك راكود المناطق الصناعية، ومواجهة أزمة الأسعار والتراجعات الحادة في القدرة الشرائية للأسرة المكناسية، والنهوض بالبنيات التحتية والمرافق الصحية والمجالية المتهالكة.

اليوم أصبح من الضروري أمام هذا الواقع المتأزم صياغة عقد مواطنة يتجاوز شفوية الوعود الفضفاضة، ويدفع الفعاليات المحلية والناخبين إلى مقايضة الصوت الانتخابي بوثيقة التزام تنموي مكتوبة ومحزمة بجدول زمني واضح تشترطها القواعد قبل منح أي صوت. بمعنى آخر الرهان اليوم بات معقودا بالكامل على وعي الناخب المكناسي لقطع دابر التعامل الفوقي والتهميش المنظم، والتمييز الجازم والحاسم بين من أداروا ظهرهم للمدينة طيلة ولاية كاملة، وبين من ترافعوا عنها بصدق وشاركوا أهلها همومهم في مراكز القرار على مدار السنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *