خرجة الشرايبي ضد مكناس.. انزلاق خطيب جمعة يضع وزارة الأوقاف تحت المساءلة

المستقل | فؤاد السعدي
في الوقت الذي كانت فيه العاصمة الإسماعيلية، مكناس، تلملم جراح السنين وتستعد لرد الاعتبار لنفسها عبر أوراش تنموية خاضعة لإعادة التهيئة والبناء، وفي غمرة احتضانها لفعاليات مهرجان “عيساوة.. مقامات وإيقاعات عالمية” لبعث رونقها الحضاري والتراثي، خرج علينا من كان يفترض فيه الاتزان والنضج والورع، الملقب بـ “الدكتور الشرايبي”، بخرجة تيكتوكية أقل ما يمكن وصفها أنها انتحار أخلاقي وسياسي، ومحاكمة استعراضية مبتذلة تهدف إلى نسف سمعة حاضرة سلطانية بأكملها، حيث لم يكن ذلك الفيديو المنشورة مجرد نقد مواطن عابر، بل كان عملية اقتطاع خبيثة، وظفت الحفر والأتربة الناجمة بالأساس عن أوراش تهيئة جارية لترويج صورة سوداوية منقوصة، تزعم أن المدينة تعيش في غياهب الإهمال والظلام، والأنكى من ذلك أن هذه الخرجة لم تأت انطلاقا عن غيرة على المصلحة العامة، بل تشير تفاصيل الكواليس إلى أنها لم تكن سوى رد فعل صبياني ودافع ذاتي مريض ناجم عن عدم توجيه دعوة رسمية لسيادته لحضور المهرجان، ليتحول عدم استدعاء “مؤثر” إلى حقد استخدمت فيه أدوات التشويه لتهديد السلم الاجتماعي وإرباك التنمية في لحظة رواج اقتصادي وسياحي مفصلي، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول خطورة تحول صناعة المحتوى إلى ساطور يشحذ خلف كواليس المصالح الشخصية الضيقة للبطش بالصالح العام.
هذه المحاولة التشويهية الممنهجة تكشف في عمقها عن معضلة كبرى لا تكمن فقط في سطحية المحتوى أو الركوب المفضوح على الموجة لجلب التفاعلات، بل تكمن في الانفصام الصارخ بين صفة الفاعل ورسالته، إذ كيف لشخص يعتلي منبر الجمعة، ومن المفترض فيه أن يجسد أسمى معاني الورع والتثبت وحسن الخلق، أن يسقط في هذا المستنقع من الشخصنة والافتراء؟ وكيف لخطيب جمعة أن ينادي صباحا بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا”، أن يتحول مساء إلى صانع محتوى متهور يتجاهل مبدأ التبين الميداني، ويكتم شهادة الحق عبر التعامي عن الأوراش القائمة، مستغلا الأضواء لنفث سموم الإحباط وتأليب الرأي العام؟ وبالتالي، بدلا من أن يكون المنبر حصنا لغرس الأمل وحث المواطنين على الصبر ومواكبة ورش الإصلاح والتنمية، تحول صاحبه إلى معول هدم ينشر العدوى النفسية للإحباط، متناسيا أن المصلحة المرسلة في الفقه الإسلامي تقتضي حماية السلم الاجتماعي وتثبيت دعائم الثقة بين المواطن ومؤسساته، خصوصا وأن الأدبيات الإسلامية وأخلاق العلماء جرت على أن الإمام يعرف بالوقار، واجتناب الشبهات، والترفع عن القيل والقال، وضبط النفس عند التغيظ، أما الجري خلف الكاميرات، واصطياد الحفر، وتصفية الحسابات الضيقة بأسلوب التباكي التيكتوكي، فهو تجريد صريح للمنبر من هيبته، وتحويل لصفة “الإمام” إلى مجرد غطاء لتسويق الذات وحشد المتابعين.
المثير للاستغراب أيضا أن هذا التهور الرقمي يتزامن مع تنظيم مهرجان تراثي أصيل كـ “عيساوة”، مما يكشف عن مفارقة عجيبة في سلوك شخص يجمع بين الدعوة والتأثير، إذ كيف يستسيغ رجل دين يوجه المواعظ أسبوعيا أن يمارس دور المغطي الإعلامي لمهرجان موسيقي ثم يستغل الهامش ذاته لطعن المدينة في ظهرها؟ بمعنى أن هذا السلوك يؤكد ظاهرة نفعية خطيرة يتم من خلالها تسخير الرمزية الدينية لتأسيس رأس مال رمزي يتم صرفه لاحقا في منصات التواصل كأداة ضغط وابتزاز غير مباشر للمؤسسات والمنظمين، الأمر الذي يسقط عن صاحبه ورع الأئمة ويضعه في خانة الهواة الباحثين عن زيادة الأرقام ولو على حساب القيمة التاريخية والسلطانية لمدينة بحجم مكناس، التي طالما كانت مهد العلم والصلحاء ولا تستحق أن ترهن صورتها في بورصة “اللايكات” والتفاعلات العابرة.
وأمام هذه المأساة الأخلاقية والتواصلية، تصبح وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومعها المجلس العلمي المحلي، في وضع إحراج لا يحسدان عليه، حيث يتحملان اليوم وبشكل مباشر وزر هذه التجاوزات عبر تخليهما عن الرقابة البعدية لسلوكيات الأئمة خارج المساجد، مما يجعل الرأي العام المكناسي والمغربي يطرح أسئلة حارقة تتطلب إجابات فورية بشأن المعايير التي تسند بها أمانة المنبر، وكيف يتم السماح لـ “مؤثر” يتعامل مع الدين والتنمية الذاتية بمنطق الاستثمار الرقمي والتجاري أن يعتلي منبر الجمعة ليخاطب ضمائر المؤمنين وهو عاجز عن ضبط نزواته الشغوفة بالأضواء والدعوات الرسمية، فضلا عن كون هذا السلوك يمثل تضارب مصالح صارخا ونفعية رقمية مجردة، يتم فيها استغلال النفوذ الروحي والرمزية الدينية الممنوحة رسميا للخطيب كأداة لخدمة مآربه الشخصية وتصفية حساباته الضيقة على منصات رقمية تجارية، ناهيك عن غياب الوعي لدى الوزارة بأن أخلاقيات الإمام وحدة لا تتجزأ، ولا يمكن فصل سلوك الخطيب فوق المنبر عن شطحاته وافتراءاته عبر منصات “التيك توك” و”إنستغرام”، والتغاضي عن واجب التحفظ الذي ينص عليه دليل الإمام والخطيب صراحة للابتعاد عن التجاذبات التي تسيء للهيبة الروحية والاعتبارية، وهو ما يدفع بالشارع اليوم للتساؤل عن سر هذا الصمت المريب من وزارة أقامت الدنيا ولم تقعدها في حوادث أقل شأنا، عندما تم إعفاء وفصل عشرات الأئمة والخطباء لمجرد هفوات تعبيرية أو اجتهادات لا تمس بأمن الاستقرار، بينما تغشى زاوية الرؤية لديها اليوم أمام خطيب يستغل شهرته لنشر الزيف، والإساءة لعاصمة سلطانية، وتهديد السلم الاجتماعي، والإضرار باقتصادها السياحي.
اليوم وأمام هذه المعطيات الصادمة، أبناء مكناس الشرفاء، وفعالياتها المدنية الحية، يتبرأون براءة الذئب من دم ابن يعقوب من هذه الخرجة “الشرايبية” النشاز، ويعلنونها صريحة بأن مكناس ورش مفتوح للإصلاح وليست منصة رخيصة لصناعة البوز، ويؤكدون أن الاستقواء بالغرباء لن يكون أبدا بديلا عن النقد البناء والنوايا الصادقة، لأن صفة “الإمام” أسمى من أن تمنح لمن يبيع الوقار في سوق التيك توك، والمنبر أكبر من أن يطأه من يحركه حقد الإقصاء والتجاهل، وبالتالي فإن المسؤولية باتت اليوم تقع كاملة على عاتق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى لإعادة النظر الفورية في اعتلاء هذا الرجل لمنبر الجمعة، وتفعيل مساطر العزل الحاسم، لأن أي تساهل أو إغفال سيتجاوز مجرد التغاضي عن خطأ فردي لكي يقرأ على أنه تواطؤ ضمني مع تسخيف الشأن الديني، وتسليم للمؤسسة الروحية لأطماع “المؤثرين”، فقد حان الوقت لإعادة الهيبة للمنبر، وتطهيره ممن يستغلون جلباب الدين لضرب استقرار المدن التاريخية وأوراشها التنموية.