فؤاد السعدي يكتب: محمد الشرقاوي.. عُزل بتعليل أخلاقي ومحاكمة سياسية

بعد أشهر من الصمت، خرج محمد الشرقاوي، الرئيس السابق لمجلس مقاطعة طنجة المدينة، عن تحفظه، ليكشف بعضًا مما دار في كواليس العزل الذي تعرض له في واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل السياسي والإداري بمدينة طنجة.

في حوار صحفي محلي، قال الشرقاوي، دون تسمية جهات، إنه كان مستهدفًا سياسيًا، وأن عزله لم يكن نتيجة أخطاء جسيمة كما يُروج لذلك، بل نتيجة ضغوط غير معلنة من أطراف سعت لإبعاده من المشهد، رغم استجابته الكاملة لاستفسارات لجنة التفتيش الوزارية. حيث أكد أن اللجنة نفسها لم تعتبر ملاحظاتها “موجبة للعزل”، في تناقض صارخ مع النتيجة النهائية التي انتهت بها الأمور.

وتبقى من بين النقاط التي تثير الاستغراب في تصريح الشرقاوي هو أن عددًا من الشواهد الإدارية التي وُظفت ضده في ملف العزل، تم تمريرها بناء على محضر موقع من طرف أربع رؤساء لمقاطعات طنجة، والنائب الأول لعمدة المدينة، وبإشراف مباشر من الكاتب العام السابق للولاية. فوثيقة بهذا الثقل الإداري والسياسي، لا يمكن القفز عليها أو تجاهلها، على اعتبار أنها ليست فقط “إجراء إداري”، بل تعبير عن إرادة جماعية من مسؤولي المقاطعات لتجاوز حالة “البلوكاج الإداري”، وتيسير الحصول على الرخص الإدارية التي تشكو منها فئات واسعة من المواطنين.

فكيف للجنة التفتيش أن لا تعتد بوثيقة تتوفر على هذا الحجم من المشروعية التشاركية والمسؤولية الجماعية؟ هل المطلوب من المنتخبين أن يظلوا مجرد “موظفين بالتوقيع”؟ أم أن الاجتهاد الإداري أصبح مكلفًا إذا ارتبط باسم معين دون غيره؟

الأكثر إثارة في ملف الشرقاوي هو ما ورد في تعليل المحكمة الابتدائية التي نظرت في قرار العزل، خصوصا عندما قالت المحكمةبالحرف: “وحيث إن كانت بعض الأفعال المنسوبة للمطلوب عزله لا تتسم بطابع الجسامة من منظور التناسب والآثار، وبالتالي لا تلحق ضررًا بالجماعة، وإنما تُخِل بأخلاق المرفق العام.” هذه العبارة وحدها تستوجب تفكيكًا قانونيًا دقيقًا، لأنها تؤسس لما يُشبه الإدانة الأخلاقية الرمادية، لا القانونية الصريحة. ففي مبادئ القانون الإداري، يُشترط في العزل وجود “أخطاء جسيمة” محددة، واضحة الأثر، ومثبتة بحجج دامغة تؤدي إلى الإضرار بالمرفق العام. أما الحديث عن “الإخلال بأخلاق المرفق” فهو توصيف فضفاض، ذاتي التأويل، ويفتقر إلى الضبط التشريعي. وهنا نطرح السؤال، هل أصبحت الأخلاق الإدارية مبررًا كافيًا لعزل منتخب من منصبه، في غياب ضرر فعلي للجماعة؟ وهل هذا المعيار يُطبّق على الجميع بنفس الميزان، أم فقط على من لا تُرضيهم مواقفهم السياسية؟

وحيث لا يمكن فصل هذا المسار الإداري عن سياقه السياسي، فمنذ أن تولى محمد الشرقاوي، منصب رئاسة فريق اتحاد طنجة لكرة القدم، استطاع أن يرفع أسهمه السياسية بشكل غير مسبوق، لأن قيادته للفريق في لحظة انهيار مالي ورياضي، ثم تحقيق البقاء في القسم الأول فيما يُشبه المعجزة، منحته رصيدًا شعبيًا أزعج على ما يبدو خصومه. وهنا يمكن أن نعيد صياغة السؤال من جديد، هل تم عزل محمد الشرقاوي لأن أخطاؤه كانت جسيمة؟ أم لأنه صار ثقيلًا سياسيًا في لحظة لم يكن فيها “مرحبًا به”؟

ما كشفه الشرقاوي اليوم يعيد طرح قضية منسية على طاولة النقاش العمومي وهو هل نملك فعلًا منظومة عزل إداري محايدة؟ أم أن السياسة تلبس أحيانا قناع القانون لتُصفّي حساباتها مع من لم ينحنِ للريح؟ اليوم إنصاف محمد الشرقاوي لا يعني بالضرورة إعادته لمنصبه، بل استعادة ثقة المواطنين في أن القانون لا يُنتقى، وأن المحاسبة لا تُطوّع وفق المزاج السياسي.

ربما لم يكن الشرقاوي كاملاً في أدائه، لكنه لم يكن فاسدًا. لم يُدن بتبديد المال العام، لم تثبت ضده أي شبهة ارتشاء، ولم تتحدث المحكمة عن أضرار مالية أو إدارية، فقط “الإخلال بأخلاق المرفق”، وتلك تهمة يُمكن توجيهها لأيّ منتخب، إذا غابت العدالة وحضر التوظيف السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *