فؤاد السعدي يكتب.. “فراقشية” الصحافة.. كيف تحول المال العام إلى غنيمة والتفاهة إلى سلطة؟


في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تمثل الصحافة بالمغرب أداة للتحقيق في الفساد وكشف الحقائق، باتت اليوم ساحة مفتوحة لظاهرة جديدة ألا وهي “فراقشية الصحافة”، هذه الفئة التي وجدت في دعم الصحافة العمومي فرصتها الذهبية للتسلل إلى عالم الإعلام، مستفيدة من المال العام، لكن دون أي اعتبار لقيم وأخلاقيات هذه المهنة. بل إن هؤلاء الفراقشية أصبحوا، على غير العادة، يعطون دروسًا في الأخلاقيات، رغم أنهم أول من انتهكها.
الفراقشية هنا ليسوا مجرد صحفيين عاديين، بل هم مَن استطاعوا تحويل الصحافة إلى منصة للفضائح والتفاهة والانحطاط، على اعتبارهم أول مَن يتسابقون على نشر أبشع أنواع الأخبار، التي لا تساهم في توعية المجتمع، بل تدمّر الوعي الجماعي وتُلهي الناس بقصص فارغة وقضايا تافهة، في وقت أنهم لا يتوقفون عن استغلال المال العام المخصص للصحافة ليغرقوا في رذيلة الإعلام.
والغريب في الأمر أنهم لم يكتفوا بتشويه صورة الصحافة، بل أصبحوا يروجون لأنفسهم كحماة لأخلاقيات المهنة. اليوم، تجد هؤلاء الفراقشية يلبسون ثوب المدافعين عن الشرف الإعلامي، بينما هم أنفسهم غارقون في أفعالهم التي تسيء إلى هذه الصحافة وتبتذلها، وكأنهم يقولون للمغاربة، “نحن الأوصياء على الصحافة، ونحن من يحدد كيف يجب أن تكون”.
لكن في الحقيقة، هؤلاء الذين يتحدثون عن الأخلاقيات، هم أنفسهم الذين قدموا الرذيلة على أنها ثقافة إعلامية، وقاموا بنشر التفاهة في كل زاوية من وسائل الإعلام، ويأخذون المال العام عن طيب خاطر ليواصلوا نشر هذا الهراء على حساب المواطن البسيط الذي يتابعهم بكل أمل في صحافة حرة ونزيهة.
ففي الوقت الذي كان فيه من المفترض أن يُستغل الدعم العمومي لتحفيز الصحافة الجادة والمهنية، نجد أن الفراقشية قد اختطفوا هذه الأموال ليستخدموها في تعميق فجوة الفوضى الإعلامية. ليس هذا فحسب، بل إنهم يروجون لأنفسهم كأبطال للحرية الصحفية بينما هم أول من خنقوا هذه الحرية عندما جعلوا الصحافة ساحة للتهريج والانحطاط، هذه الظاهرة لم تقتصر على مجرد استغلال المال العام، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية للهيمنة على المشهد الإعلامي، وتمرير أجندات شخصية على حساب الصالح العام.
وهكذا، بدلًا من أن تكون الصحافة منبرًا للحقيقة والمساءلة، تحولت إلى ساحة مفتوحة للفراقشية الذين لا يفعلون سوى نشر الأكاذيب والتفاهة والترويج للفضائح. كل هذا، تحت أنظار الجهات الوصية، التي يبدو أنها تفضل لعب دور المتفرج، تاركة الصحافة رهينة لأهواء ثلة من الانتهازيين، ممن لا يعرفون عن المهنة سوى كيف يستنزفون المال العام تحت غطاء الدعم العمومي، وكأنهم موظفون رسميون في قطاع خاص جدًا: قطاع الارتزاق الإعلامي
لقد تحولت الصحافة من سلطة رابعة تُنير الرأي العام إلى سوق تُباع فيه الأخبار كما تُباع السلع الرديئة، بأيدي فراقشية لا همّ لهم سوى الربح السريع. والأدهى من ذلك أن اللجنة المؤقتة، التي كان يُفترض أن تُصلح القطاع وتضع حدًا لهذا العبث، أصبحت بدورها أداة في أيدي هؤلاء، تُساير أهواءهم وتُشرعن وجودهم. والسؤال الذي يبقى مطروحا، إلى متى سيظل هؤلاء الفراقشية يستفيدون من المال العام دون حسيب أو رقيب؟ ومن الذي سيتحمل مسؤولية هذا الخراب الذي ألحقوه بمهنة الصحافة؟ إذا كانت الصحافة جزءًا من تقوية الوعي الشعبي، فيجب أن تُستعاد من هؤلاء الفاسدين الذين حولوها إلى ميدان للتجارة بالقيم. لن تكون الصحافة حرة أو نزيهة إلا عندما يتوقف هؤلاء عن التلاعب بالأموال العامة، ويبدأون في العمل على نشر الحقيقة، لا التفاهة.