فؤاد السعدي يكتب: حين تصمت عن الفساد وتصرخ ضد المهداوي.. هل أصبحت اللجنة المؤقتة أداة لتكميم الأفواه؟

في مشهد يعكس بوضوح حالة التوتر داخل قطاع الصحافة بالمغرب، خرجت اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر ببلاغ شديد اللهجة ضد الصحفي حميد المهداوي بسبب تصريحاته التي ربط فيها ما يتعرض له من مضايقات بمخطط إسرائيلي، وهو ما اعتبرته اللجنة ادعاء خطيرًا يمس صورة البلاد ومؤسساتها. الغريب في الأمر أن هذه اللجنة نفسها لم تتحرك في قضايا أخرى أكثر إلحاحًا، تخص الاعتداءات اللفظية والجسدية التي تعرض لها صحفيون آخرون، والانحدار الخطير للمحتوى الإعلامي ببعض المنابر.

فإذا كان الهدف الأساسي لأي هيئة تنظيمية في قطاع الإعلام هو الدفاع عن أخلاقيات المهنة والتصدي للانتهاكات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو، لماذا اختارت اللجنة المؤقتة التزام الصمت أمام قضايا كثيرة تمس مهنة الصحافة، وتسارع اليوم إلى إصدار بلاغ حاد عندما تعلق الأمر بالمهداوي؟ خصوصا وأن هذا الأخير سبق أن تعرض لهجمات شخصية وصلت حد القذف في حقه وحق زوجته الصحفية دون أن تحرك اللجنة ساكنًا. كما لم تصدر أيضا أي بلاغ حول المحتويات الرديئة التي تقدمها بعض المنابر الإعلامية التي تعتمد على الإثارة والفضائح والتشهير. بالمقابل عندما تحدث المهداوي عن “مخطط إسرائيلي”، رأينا كيف تحركت اللجنة بشكل سريع وحاسم، في مؤشر واضح على أن الردود الرسمية غالبًا ما تكون انتقائية وليست مبدئية.

بلاغ اللجنة للأسف لم يكتف فقط بالرد على تصريحات المهداوي، بل تجاوز ذلك إلى اتهامه بالسعي وراء تحقيق المشاهدات وجني الأرباح من يوتيوب، وكأننا أمام محاكمة أخلاقية لنوايا الصحفي وليس لعمله. وهذه النقطة بالذات تطرح إشكالية أعمق، وهي أن بعض الهيئات الرسمية تتجه أكثر نحو التشكيك في نوايا الصحفيين بدل الرد على أسئلتهم وانتقاداتهم. إن تصريحات المهداوي، سواء اتفقنا معها أم لا، تظل وجهة نظر يمكن تفنيدها بالحجج والمعطيات، لكن اختيار الرد بأسلوب الهجوم الشخصي يجعل الأمر يبدو وكأن الهدف هو إسكات المهداوي بدل تفنيد مزاعمه، وهنا يطرح سؤالًا أكبر،فيما إن كنا أمام محاولة لوضع مزيد من القيود على حرية التعبير؟

في نهاية البلاغ، أشارت اللجنة إلى أنها تحتفظ بحقها في اللجوء إلى القوانين المعمول بها، وهو ما يوحي بأن الأمور قد تتطور إلى إجراءات تأديبية أو حتى قضائية ضد المهداوي، وهنا يظهر وجه آخر للأزمة، ويجعلنا نطرح سؤالا آخر، هل أصبحت القوانين مجرد أداة انتقائية تُستخدم ضد صحفي دون آخر؟ ولماذا نرى هذه الصرامة فقط عندما يتعلق الأمر بصحفيين معينين، في حين يُترك المجال مفتوحًا أمام بعض المنابر التي تُمعن في ضرب أخلاقيات المهنة دون أي مساءلة؟

ما حدث  ويحدث مع المهداوي يعكس بشكل عام إشكالية أوسع داخل قطاع الصحافة ببلادنا، حيث أصبح البعض يخشى أن يكون هناك تضييق مقنن على الصحفيين تحت غطاء حماية أخلاقيات المهنة، وأن الإصرار على الاستمر في هذا النهج، قد يوصلنا إلى نقطة تتحول فيها القوانين التأديبية إلى وسيلة لمعاقبة الأصوات الجريئة بدل تنظيم القطاع، وبالتالي يبقى السؤال الأهم، هل كان بلاغ اللجنة المؤقتة ضروريًا؟ أم أن الرد الحاد كشف أكثر مما أخفى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *