فؤاد السعدي يكتب: إقالة حسن عبقري.. قرار سريع أم تسوية صامتة؟

في عالم السلطة، لا يحدث شيء بالصدفة وحين يسقط مسؤول رفيع بهذه السرعة، يصبح من غير الممكن النظر إلى الأمر على أنه مجرد خطأ جسيم، بل هو في الحقيقة جزء من قصة أعمق وأشد تعقيدًا. إقالة حسن عبقري من منصب مدير ميناء طنجة المتوسط لم تكن قرارًا إداريًا عابرًا وإنما حدثًا يكشف عن مشهد أكبر من مجرد تغيير في المسؤوليات، فالأمر يبدو وكأننا أمام مسرحية لا تزال فصولها المخفية تتوالى.

اليوم تتجه الأنظار إلى الأسئلة التي تثار حول السبب وراء اتخاذ هذا القرار السريع والمفاجئ، خصوصا وأن كل المؤشرات توحي بأن هناك ما هو أكبر من مجرد “شركة استشارات مينائية” أسسها عبقري في فالنسيا الإسبانية، لأن التسارع الغريب في اتخاذ القرار، دون المرور بالمساطر القانونية المعهودة، يفتح الباب أمام فرضية أن الإقالة لم تكن سوى ترضية مدروسة لتأمين خروج سلس ومن دون ضجيج.

لأن القاعدة الطبيعية في مثل هذه الحالات تقتضي فتح تحقيق رسمي، وتوقيفًا احترازيًا، وربما اللجوء الى القضاء، وهو الشيء الذي لم نعاينه في هذه القضية “اللغز”، عندما تم التخلص من الرجل بلمسة إدارية ناعمة، وكأن المطلوب كان طيّ الصفحة بأسرع وقت ممكن، وهو ما يجعلنا نطرح السؤال، لماذا هذا الاستعجال؟ وهل كان هناك خوف من امتداد النيران إلى شخصيات بارزة أخرى؟ أم أن هناك أسرارًا يُراد إخفاؤها قبل أن تخرج عن السيطرة؟

إننا وعند التفكير في الأمر بشكل أعمق، يتبين أن الإعفاء السريع قد يكون مجرد خطوة تم التخطيط لها بعناية، على اعتبار أنه في حالة مثل هذه، حين يتم إعفاء مسؤول رفيع المستوى في ظرف ساعات، فهذا يعني أن الكواليس كانت أكثر تعقيدًا من مجرد مخالفة إدارية، ومن هنا، يمكن أن يصبح أحد السيناريوهات الممكنة واردا، وهو أن حسن عبقري لم يُقل فعليًا، بل تم دفعه إلى الاستقالة طواعية مقابل ضمانات معينة، فإما أن تكون هذه الضمانات مرتبطة بخروج آمن دون محاسبة أو مساءلة قانونية، وإما التكتم الإعلامي على التفاصيل الحقيقية للقضية، وهو ما يدفعنا إلى طرح فرضية صرف مكافأة خفية للرجل مقابل “التعاون” في مغادرة المنصب، وهنا يُطرح السؤال الأبرز، من هي الجهات التي تخشى أن يفتح عبقري فمه؟

وفي ذات السياق أيضا، يبرز أمر آخر يجب أخذه بعين الاعتبار، على اعتبار أن ميناء طنجة المتوسط ليس مجرد منشأة تجارية فقط، بل هو رئة المغرب الاقتصادية، ومركز استراتيجي يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبالتالي فإن أي اختراق إداري أو استغلال نفوذ داخله ليس مجرد خطأ مهني، بل يعد تهديدًا أمنيًا من العيار الثقيل. وحين يتعلق الأمر بمسؤول شغل هذا المنصب الحساس لسنوات، يصبح التساؤل الطبيعي هو، كم من المعلومات يعرف؟ وماذا قد يحدث لو قرر الكشف عنها؟ هل كانت هناك شبهات تسريب معلومات أو تداخل مصالح مع جهات أجنبية؟ أم كان الميناء مخترقًا أكثر مما نتصور؟

إن ما حدث مع حسن عبقري لا يمكن أن يُعتبر مجرد تغيير إداري بسيط، بل هو عملية تنظيف سياسي واقتصادي بصمت مريب، لأنه إذا كان مذنبًا، فلماذا لم يُحاسب علنًا؟ وإن لم يكن كذلك، فلماذا أُعفي بهذه السرعة؟ صحيح قد يكون هذا الملف مغلقًا رسميًا، لكن تداعياته لا تزال مفتوحة، اعتبارا على أن الحقيقة دائمًا تجد طريقها إلى السطح، حتى لو حاول البعض دفنها في مياه الميناء العميقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *