فضيحة ميناء طنجة المتوسط.. لماذا سارع موقع “كاري حنكو” لتكذيب الخبر وظلت الجهات الرسمية صامتة؟

في خطوة غير متوقعة، سارع موقع محلي إلى نفي الأخبار التي تداولتها وسائل إعلام إسبانية بشأن تأسيس المدير العام لميناء طنجة المتوسط، حسن عبقري، لشركة استشارية في مدينة فالنسيا الإسبانية تحت اسم “New Port Consulting 2024”. هذا التحرك، الذي جاء من طرف موقع “كاري حنكو”، يثير التساؤل حول دوافعه، خاصة أن مؤسسة الميناء نفسها لم تُكلف نفسها عناء إصدار أي توضيح رسمي، تاركة المجال مفتوحًا للتأويلات والتكهنات.

منذ اللحظة التي نُشر فيها التقرير الإسباني، كان من الطبيعي أن تبادر مؤسسة الميناء، أو على الأقل جهة حكومية معنية، إلى إصدار بيان رسمي يوضح حقيقة الأمر، خاصة أن القضية تتعلق بمسؤول تنفيذي في مرفق استراتيجي. لكن المفارقة أن النفي لم يصدر عبر القنوات الرسمية للمؤسسة، بل جاء عبر موقع إعلامي تربطه بالميناء علاقات وثيقة، تدعمها اتفاقيات شراكة إعلامية قائمة. فهل كان هذا التحرك اجتهادًا فرديًا من الموقع، أم أن الميناء أوعز إليه بهذه الخطوة في إطار معادلة المصالح المتبادلة؟

هذا الأسلوب في التعامل مع القضايا الحساسة يفتح بابًا لإشكالية أكبر، وهي، كيف يمكن لمؤسسة عمومية بحجم ميناء طنجة المتوسط أن تعتمد على موقع محلي لنفي خبر قد يمس سمعتها بدل اللجوء إلى وسائلها الرسمية؟ في حين أنه من المفترض أن تصدر الجهات الرسمية بيانات واضحة وصريحة عبر القنوات المعروفة. لكن ما حدث يجعلنا نتساءل عن سبب هذا التوجه نحو موقع إعلامي معروف بعلاقته القوية بالميناء، خاصة في ظل استفادته من اتفاقية شراكة، وبالتالي، هل يمكن اعتبار ذلك محاولة للتحكم في الرسالة الإعلامية؟ هل يعكس هذا الأسلوب الذي تتبعه مؤسسة الميناء محاولات لتوجيه الإعلام بشكل غير رسمي، وبالتالي التأثير على استقلاليته وحياده؟

هذه العلاقة بين الإعلام والمؤسسات العمومية تُثير تساؤلات أكثر تعقيدًا بشأن استقلالية المنابر الصحفية التي ترتبط بعلاقات مالية مع جهات رسمية. فكيف يمكن للمؤسسة الإعلامية أن تظل محايدة، خاصة عندما تربطها شراكات مالية مع جهات تُعتبر طرفًا في الخبر؟ هل يمكن لتلك المنابر أن تواصل أداء دورها كسلطة رابعة دون التأثر بمصالح المؤسسات التي تدعمها؟ هذا التداخل بين المصالح الإعلامية والمؤسساتية يعيد فتح النقاش حول دور الإعلام في الديمقراطيات الحديثة، إذ يُفترض أن يكون الإعلام جسرًا للشفافية والمحاسبة، لا أن يُستخدم كأداة للدفاع عن مصالح أي طرف، مهما كان.

هذا السكوت الرسمي يفتح الباب للتساؤلات المشروعة حول سبب غياب أي توضيح من الجهات المعنية. فمن المتوقع، في ظل الأهمية الاستراتيجية لميناء طنجة المتوسط، أن يكون هناك رد سريع وواضح يبدد أي شكوك أو اتهامات قد تلحق بالمؤسسة أو مسؤوليها. غير أن هذا الصمت يعكس، ربما، ضعفًا في استراتيجية التواصل مع الرأي العام، ويثير التساؤلات حول مواقفها تجاه المسائل التي تمس سمعتها أو تثير جدلاً بشأن أخلاقيات المسؤولين. وبذلك، نطرح السؤال التالي: كيف يمكن لمؤسسة بحجم ميناء طنجة المتوسط أن تظل غائبة عن الساحة وتترك المجال للمزيد من التكهنات؟

فالحديث هنا لا يقتصر فقط على نفي خبر أو تأكيده، بل يتعدى ذلك إلى غياب نهج واضح وشفاف في التعامل مع قضايا من هذا القبيل. فالقضية هنا تتعلق بمسؤول حكومي في مؤسسة عمومية، وبحق الرأي العام في معرفة الحقيقة، بالإضافة إلى آليات العلاقة المفترضة بين الإعلام والسلطات العمومية التي يجب أن تكون محكومة بالشفافية والمصداقية.

أما التساؤل الذي يبقى عالقًا في الأذهان فهو ما إن كان من المقبول أن يكون لمسؤول حكومي في مؤسسة عمومية بحجم ميناء طنجة المتوسط نشاط تجاري منافس بالخارج؟ فحتى إذا كان هذا النشاط قانونيًا، يبقى السؤال الأهم حول أخلاقيته في ظل مسؤوليته المباشرة عن قطاع استراتيجي وحساس. وبالتالي، فإن غياب التوضيح الرسمي بهذا الشأن يزيد من الشكوك ويغذي التكهنات. وهنا يطرح السؤال: هل كانت هذه الخطوة مدروسة أم أنها مجرد تصرف فردي لا يعكس احترامًا للمعايير الأخلاقية والشفافية التي يجب أن تحكم عمل المسؤولين في المؤسسات العمومية؟

في النهاية، غياب أي رد رسمي يفتح الباب أمام المزيد من التكهنات ويجعل النقاش يتجاوز الموضوع الأساسي ليصل إلى كيفية تعامل المؤسسات العمومية مع الإعلام ومدى التزامها بمبادئ الشفافية والمحاسبة. فالمؤسسات الكبيرة لا ينبغي أن تُدار من خلال التجاهل أو بتكليف منابر إعلامية مقربة للدفاع عنها، بل يجب أن تكون هناك شفافية ومسؤولية في التعامل مع الرأي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *