مؤتمر مراكش للسلامة الطرقية.. نجاح عالمي وفشل محلي


رغم أن المغرب قدم نفسه من خلال تنظيم المؤتمر الوزاري العالمي الرابع للسلامة الطرقية بمدينة مراكش كداعم رئيسي للجهود الدولية في هذا المجال، فإن الواقع المحلي يكشف عن تباين واضح بين الخطاب والممارسة. ففي هذا المؤتمر، الذي شهد حضور شخصيات دولية رفيعة مثل تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، والذي أشاد بالمملكة لدورها الريادي في تعزيز السلامة الطرقية، أعلن وزير النقل واللوجيستيك، عبد الصمد قيوح، عن إطلاق “جائزة محمد السادس للسلامة الطرقية”، بهدف تحفيز وتشجيع المبادرات الرائدة في هذا المجال. ويعكس هذا الإعلان التزام المغرب الراسخ بتعزيز السلامة على الطرق، في وقت تشهد فيه حوادث السير حول العالم وفاة أكثر من 1.2 مليون شخص سنويًا.
إلا أن ما يُثير الاستفهام هو أن هذه الجهود الدولية لم تُترجم بعد إلى نتائج ملموسة على الأرض في بلادنا، خاصة فيما يتعلق بإدارة الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية. فمنذ الإعلان عن انطلاقتها عام 2020، ورغم الخطط الطموحة المعلن عنها، لا تزال حصيلة العمل دون المستوى المطلوب. إذ على الرغم من المشاريع الكبرى التي تم إطلاقها، مثل صفقة الرادارات، إلا أنها لم تواكب تطلعات المواطنين ولم تحقق الأهداف المرجوة منها. بل على العكس، تعرضت الرادارات لمشاكل تقنية أضعفت قدرتها على المراقبة الفعالة للسائقين، مما أدى إلى إهدار ميزانيات ضخمة دون أن تُسهم في الحد من حوادث السير.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال المسؤولية الكبيرة التي يتحملها بن ناصر بولعجول في الفشل الذي يواجهه تدبير الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية. فرغم التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد في هذا المجال، فإن ضعف الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة في تحديد الأولويات حال دون تحقيق نتائج مرضية. وبالتالي، أصبح تدبير الوكالة يشكل عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق الأهداف التي يسعى المواطنون إلى الوصول إليها. ومع ذلك، يبقى السؤال المحير: لماذا يتم الإبقاء على بولعجول في منصبه رغم سلسلة من الإخفاقات المتتالية التي راكمها؟ هل هناك جهات تضمن له الحماية والبقاء على الكرسي، في وقت تم التخلي عن العديد من المسؤولين الناجحين؟ هذه تساؤلات تطرح نفسها بشدة في ظل تراجع الأداء في هذا القطاع الحساس، مما يدفعنا لطرح فرضيات حول الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى بقاء الرجل في منصبه حتى اليوم.
لا شك أن المؤتمر الوزاري يشكل خطوة إيجابية على الصعيد الدولي، ويعكس التزام المغرب بتحقيق التنقل الآمن وتعزيز السلامة الطرقية. ومع ذلك، تظل الثغرات المحلية التي تؤثر في تنفيذ هذه المبادرات محط تساؤلات كبيرة. فبينما تم الإعلان عن “جائزة محمد السادس للسلامة الطرقية” وتوفير جوائز مالية ضخمة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق تقدم فعلي في الحد من حوادث السير. بل إن استمرار القصور في تطبيق الاستراتيجيات على أرض الواقع قد يجعل من هذه الترويجيات الإعلامية مجرد شعارات لا تترجم إلى واقع ملموس.
ويبقى التحدي الأكبر في تحسين الأداء المحلي، خصوصًا فيما يتعلق بالوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، التي ينبغي أن تتحمل كامل مسؤولياتها في تقديم حلول واقعية وفعالة. ففي الوقت الذي يُسوق فيه المغرب دوليًا كداعم رئيسي للجهود العالمية في مجال السلامة الطرقية، تظل الممارسات المحلية بعيدة عن مواكبة التحديات الكبيرة التي تواجهها بلادنا في هذا المجال. ومن هنا، يُعد من الضروري أن يعيد المسؤولون النظر في استراتيجياتهم لضمان توافق المبادرات المحلية مع الطموحات الدولية، وهو ما يعكس التزام المغرب الفعلي والمستدام في تعزيز السلامة الطرقية.