من الالتزام السياسي إلى المزايدات.. صورة مشوهة في أول دورة لرئيس مجلس جماعة مكناس


في أول دورة عادية رسمية يرأسها عباس المغاري بعد انتخابه رئيسًا لمجلس جماعة مكناس، يبرز اسم جواد باحجي، الرئيس السابق للمجلس، كنموذج للالتزام السياسي تجاه الساكنة، فرغم أن المجلس الذي كان يقوده انقلب عليه وتخلى عنه رفاقه في الحزب، إلا أنه لم ينكفئ أو ينسحب، ولم يلجأ إلى العدمية السياسية، ولم يتوارَ عن الأنظار، ولم يلجأ إلى سياسة الهروب كما فعل غيره، بل اختار أن يستمر في الحضور والمشاركة في أشغال الدورات، معتبرًا ذلك واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا، وليس مجرد امتياز يرتبط بالمناصب والامتيازات، فحضوره خلال دورة فبراير، رغم الخذلان، يبعث برسالة واضحة ألا وهي أن السياسة مسؤولية مستمرة، لا امتياز ظرفي، وحضور الدورات ليس مجرد إجراء شكلي، بل تعبير عن الالتزام الحقيقي بقضايا المدينة وساكنتها.
ولا يختلف عنه كثيرًا هشام بلقيد، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حرص هو كذلك على حضور الدورة العادية، مقدمًا مصلحة المدينة على الاعتبارات الحزبية الضيقة، ليجسدا كلا الرجلين، رغم اختلاف ظروفهما، وعيًا سياسيًا يتجاوز منطق الانتماء الحزبي إلى الالتزام الحقيقي بخدمة المدينة، سواء من موقع الأغلبية أو من مقاعد المعارضة.
وعلى النقيض من هذا الالتزام، يأتي سلوك مستشاري حزب الاستقلال، الذين كانوا حاضرين باستمرار خلال فترة توليهم مسؤولية التسيير، مستفيدين من التعويضات والامتيازات، لكنهم اليوم، بعد انتقالهم إلى صفوف المعارضة، اختاروا الغياب عن أول دورة عادية للمجلس، في موقف يثير أكثر من علامة استفهام حول مدى التزامهم السياسي، فالحزب الذي طالما تغنّى بالمبادئ والمصلحة العامة كان يفترض أن يكون قدوة في تحمل المسؤولية، بغض النظر عن موقعه في المجلس، لكن الواقع للأسف الشديد كشف خلاف ذلك، وهنا نطرح السؤال، هل كان حضور مستشاري حزب الاستقلال في السابق مرتبطًا بالمنافع التي فقدوها اليوم، أم أن صدمة خسارتهم في انتخابات الرئاسة لا تزال تعطل أداءهم السياسي؟
من جهة أخرى، إذا كان فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة مكناس اليوم يختار الغياب عن أشغال الدورات لأنه في موقع المعارضة، فلماذا لم يتصرف الاتحاد الدستوري بنفس المنطق خلال الولاية السابقة، عندما كان عبد الله بوانو رئيسًا للجماعة؟ فالحقيقة التي لا يجاذل في اثنان أن حزب “الحصان”، رغم وجوده في المعارضة آنذاك، التزم بالحضور في الدورات الجماعية وساهم في النقاش والترافع عن قضايا المدينة، واضعًا مصلحة مكناس فوق الحسابات الحزبية الضيقة، أما اليوم، وقد انقلبت الأدوار، يبدو أن “البيجيدي” لم يستوعب بعد خروجه من دائرة التسيير، وكأن وجوده مرتبط فقط بتدبير الشأن الجماعي، لا بالمبادئ التي يدّعي الدفاع عنها، وكأنه يريد أن يقول؛ ” بوحدي كنضوي البلاد”.
هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إن كان البيجيدي يسعى منذ البداية لإفشال هذه التجربة الجماعية فقط لأنه لم يعد في موقع القيادة؟ وهل يرى في اندحار المدينة فرصة لإثبات أنه كان الخيار الأفضل؟ السياسة الحقيقية لا تُبنى على ردود الفعل الانتقامية، بل على الاستمرارية في خدمة المواطنين من أي موقع كان، وإلا فإن الشعارات تفقد قيمتها، ويصبح كل خطاب عن الالتزام والمصلحة العامة مجرد وهم.
أما أحزاب اليسار، فقد اختار بعض مستشاريها اللجوء إلى “سياسة اللايفات”، حيث باتوا يبثون مداخلاتهم مباشرة خلال الدورات، متخذين من ذلك أسلوبًا للمزايدة السياسية، وكأن المعارضة تقتصر على استعراض إعلامي بدل الانخراط الجاد في النقاش والترافع الحقيقي عن قضايا المدينة، غير أن المفارقة الغريبة تكمن في أن من يزايد اليوم بالمواقف والشعارات، كانوا على وشك التصويت لصالح مرشحة حزب “الأحرار” خلال انتخابات الرئاسة، بعد “وليمة الغداء” الشهيرة، لولا انضباط رفقائه الذين اختاروا في آخر لحظة التمسك بموقف الحياد، ورفض الانسياق وراء الحسابات الظرفية.
صحيح أن بعض مستشاري اليسار حافظوا على مواقفهم الثابتة، وابتعدوا عن منطق المزايدات الفارغة، واضعين مصلحة المدينة فوق كل اعتبار، وهو اليسار الذي يعرفه المكناسيون ويثقون به، أما يسار “الليفات”، الذي يتحرك وفقًا لمنطق الربح والخسارة، فذلك حديث آخر قد يأتي يوم ونكشف كل تفاصيله.
اليوم، أصبح مستشارو الأحزاب الصغيرة يقدمون دروسًا في الانضباط السياسي والمصلحة العامة، متحملين مسؤولياتهم أمام الساكنة، في الوقت الذي غابت فيه بعض الأحزاب الكبيرة التي كانت تعطي انطباعًا بأنها الجهة الوحيدة القادرة على تسيير المدينة، وهو ما يعكس التزامًا حقيقيًا بتقديم حلول عملية لمشاكل مكناس، بدلاً من الوقوع في فخ المزايدات السياسية الفارغة وبهكذا سلوك، تقلب الأحزاب الصغيرة الطاولة على الاحزاب الكبيرة لتقول، “مكناس وأهلها أولاً وأخيرًا”.
هذا التباين بين من استمر في الحضور، رغم خسارته لمنصبه، ومن غاب عندما لم يعد له امتياز، وبين من يحضر بليفاته من أجل المزايدة السياسية نكتشف بوضوح الفرق بين السياسي الذي يرى في العمل الجماعي مسؤولية مستمرة، وبين من يربط حضوره بالمكاسب التي يحققها، واليوم، أمام ساكنة مكناس، بات من الضروري إعادة النظر في المشهد السياسي، والتمييز بين من يحمل هم المدينة فعلاً، ومن لا يرى في السياسة سوى وسيلة لتحقيق مصلحة شخصية زائلة.