فؤاد السعدي يكتب: بلاغ جماعة طنجة.. صمود لغوي أمام الفيضانات الحقيقية

في مشهد لا يخلو من السخرية، خرجت جماعة طنجة ببلاغ صحفي حول الفيضانات الأخيرة بلغة تعكس واقعًا افتراضيًا لا يمت بصلة لما عاشته المدينة تحت رحمة السيول الجارفة، فالبلاغ، الذي كُتب بأسلوب أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقع الميداني، حاول إقناع الرأي العام بأن الجماعة “تتبنى مقاربة استباقية” و”تعزز الصمود الحضري”، في الوقت الذي كان فيه المواطنون يعاينون بأم أعينهم شوارع غارقة، وطرقات تحولت إلى أنهار، وسيارات عائمة في مشاهد يذكرنا بكوارث طبيعية لا بإدارة حضرية يُفترض أنها مستعدة للأمطار الموسمية.

بأسلوب دعائي، حاول البلاغ إيهام ساكنة طنجة بأن “التدخلات الاستعجالية” كانت ناجحة، وأن الجماعة، بمعية شركائها، قامت “بإزالة الأوحال وإعادة فتح المحاور الطرقية في آجال قياسية”، حتى انه استعصى علينا معرفة ما ان كان البلاغ يقصد مدينة طنجة أم مدينة أخرى، فعن أي آجال يتحدثون؟ وعن أي تدخلات يهرطقون؟ هل كان المقصود بعض الصور التي التُقطت لمستخدمين يلوحون بالمكانس في زوايا محددة أمام عدسات الكاميرات؟ أم أن الواقع الذي عاشه سكان طنجة، من محاصرة المياه لمنازلهم ومحلات تجارتهم وانهيار البنية التحتية في عدة أحياء، لا يدخل في نطاق اهتمامات من صاغوا البلاغ؟

المثير للسخرية أن البلاغ استعرض مشاريع هيكلية وبرامج يفترض أنها تُنفذ منذ سنوات، مثل “البرنامج الاستعجالي لحماية طنجة من الفيضانات 2022-2024” و”مشروع حماية حي الواحة”، وكأن الجماعة تريد أن تُقنعنا بأن المشاكل التي نراها بأعيننا ليست سوى وهم، وأن الحلول، رغم غيابها على أرض الواقع، موجودة فقط على الورق وفي التقارير الرسمية.

الأغرب من كل هذا  وذاك هو أن البلاغ يحمل بصمات نائب العمدة المكلف بالتدبير المفوض لقطاع الماء والكهرباء وتطهير السائل، الذي أصبح ظاهرة صوتية أكثر منه مسؤولًا عن قطاع حساس وحيوي. فهذا المسؤول للأسف، الذي لا نراه إلا في المناسبات الرسمية ولا نسمع إلا في التنظير، يبدو أنه أكثر اهتمامًا بصياغة البيانات المنمقة من إيجاد حلول عملية وواقعية، ولعل لغته الاستعراضية في البلاغ خير دليل على ذلك، حيث تحوّل التدبير المفوض إلى تدبير بالكلمات الفضفاضة، والمشاريع إلى جُمل منمقة لا تقي من الفيضانات ولا تمنع تكرار نفس المآسي كل سنة.

ليبقى السؤال الحقيقي مع كل هذا “الصمود الحضري” متى ستتوقف الجماعة عن بيع الأوهام للمواطنين؟ ومتى ستدرك أن البلاغات الصحفية، مهما كانت صياغتها متقنة، لن تُجفف الشوارع الغارقة ولن تعيد بناء البنية التحتية المهترئة؟ طنجة اليوم لا تحتاج إلى صمود لغوي، بل إلى حلول فعلية، وإلى مسؤولين يعملون في الميدان بدل الاختباء وراء التصريحات الفارغة والتنظير الأجوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *